كتاب وأراء

واشنطن وبيونغ يانغ

يُقدر للمسألة الكورية الشمالية المتعلقة بالسلاح النووي والصاروخي، أن تستمر طويلاً دون علاجاتٍ ناجعة، بالرغم من التقارب الشكلي بين واشنطن وبيونغ يانغ، ووقوع عدة لقاءات بين زعيمي البلدين -وهو أمر كان ضرباً من المستحيلات طوال عقود من السنوات التي تلت الحرب الكورية- وآخر تلك اللقاءات ماجرى في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من قمة لوساكا للدول العشرين.
إن قدرة إعادة إطلاق المفاوضات الجدية والحقيقية بين واشنطن وبيونغ يانغ، مازالت بحاجة لجهدٍ كبير، حتى من قبل الأصدقاء المشتركين، وبعض الأطراف الدولية كجمهورية الصين الشعبية، فالمحادثات الجديدة إذا قيض لها الانطلاق قريباً، فستكون حاسمة، بما في ذلك تحريك موضوع العقوبات الاقتصادية المفروضة على بيونغ يانغ من قبل واشنطن، وضرورة تخفيفها، وهو ما ترفضه إدارة الرئيس ترامب حتى الآن، التي لا تقبل بتخفيف العقوبات حتى في مرحلة ما أثناء المفاوضات، مقابل تنازلات كورية شمالية مجزأة. فقد تعثرت المحادثات بين واشنطن وبيونغ يانغ أكثر من مرة، لخلافات عميقة حول ملف نزع الأسلحة النووية الكورية الشمالية، عدا عن مطالبة إدارة ترامب كوريا الشمالية بالتخلي عن نزعات ما أسمته «الدولة الستالينية» ونظام الحزب الحديدي الشمولي (التوتاليتاري) قبل إلغاء العقوبات الدولية المفروضة عليها، الأمر الذي ترفضه بيونغ يانغ جملة وتقصيلاً، وتعتبره تدخلاً في شؤونها الداخلية.
لقد سبق لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير مع الرئيس الكوري الشمالي، وقمة لوساكا للدول العشرين، قيام الرئيس الصيني (شي جين بينغ) بزيارة بيونغ يانغ، وهو ما أثار حفيظة الولايات المتحدة، ودفعها لطرح جملة من التساؤلات، من ناحية توقيت الزيارة التي جاءت قبل لقاء العمل في قمة لوساكا بين الرئيس الأميركي ونظيره الصيني لمناقشة الحرب التجارية بين بلديهما، وهو ما دفع مصادر القرار في واشنطن للقول بأن بكين سعت بذلك لتذكير الرئيس دونالد ترامب بمدى قدرتها على التأثير على خيارات بيونغ يانغ التفاوضية مع واشنطن، والتي وصلت مفاوضاتها النووية معها إلى طريق مسدود. وأن بكين لا تزال طرفاً أساسياً مؤثراً في المسألة الكورية، حيث لايمكن تجاهل دورها، وبالتالي فقد سعت لاستخدام مسألة زيارة الرئيس الصيني (شي جين بينغ) لبيونغ يانغ كورقة مساومة على الطاولة التفاوضية في الحرب التجارية، والاقتصادية ككل بين بكين وواشنطن.
وفي التقدير، انتهى عصر التهديدات العسكرية الأميركية، بالنسبة للموضوع الكوري الشمالي، ولم يعد هناك وزير دفاع على شاكلة الوزير (ماك آرثر) في الإدارة الأميركية، الذي كان يتوعد ويهدد بقصف بيونغ يانغ ومدارج المطارات بالقنابل النووية التكتيكية صغيرة الحجم، إبان الحرب الكورية عام 1953. لذلك تبقى الحلول السياسية التفاوضية بين واشنطن وبيونغ يانغ الطريق الأمثل والأجدى لحل القضايا والملفات العالقة، وأنجع وسيلة لرأب الصدع في مسار المفاوضات بينهما، وهو ما سينعكس أيضاً على مسارات الملفات الصينية الأميركية، ويمنح الطرفين الفرصة لمعالجة الخلافات بآليات معقولة. واغلب الظن فإن الطرف الأميركي سيأخذ بهذا المسار في استخدام التفاوض حتى انتخابات الرئاسة الأميركية القادمة، فمن مصلحة الرئيس دونالد ترامب عدم نشوء مشكلات جديدة مع الصين الشعبية، وتجنب رفع حدة التسخين مع كوريا الشمالية، وحتى إيران، لأن ذلك سيؤثر على وضعه الانتخابي وعلى مساعيه الهادفة للفوز بولاية ثانية.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان