كتاب وأراء

سربرينيتشا.. عندما تآمر الغرب على مسلمي البوسنة ! «2»

حدثت المذبحة رغم مراقبة طائرات الاستطلاع الأميركية ورصدها لتحركات القوات الصربية بما فيها الدبابات تجاه البلدة، وأوضحت الكثير من المصادر الأميركية لاحقًا أن المخابرات الأميركية (CIA) كان مطلعة على ما يحدث في ما يشبه البث الحي الذي تنقله طائرات الاستطلاع والأقمار الصناعية، وأبلغت القيادة البوسنية بعثة الأمم المتحدة في سراييفو في 8 يوليو أن هناك إبادة جماعية على وشك أن تحدث في سربرينيتشا ولم تلق البعثة بالًا أو تهتم بهذا، بل قبلها بيومين ورغم كل التقارير التي أكدت نية قوات صرب البوسنة على اقتحام البلدة والقيام بالتطهير العرقي لتصفية تواجد المسلمين فيها.
اجتمع في جينيف بمقر الأمم المتحدة المبعوث الأممي ياسوشي أكاشي مع الجنرالين قائدي قوات حفظ السلام في البوسنة سميث وجانفييه وطلب من سميث العودة إلى عطلته في جزيرة كوركولا الكرواتية وذهب أكاشي «الشخص الوحيد القادر على إعطاء الأمر بضربات جوية» إلى دوبروفينيك على الساحل الأدرياتيكي لأخذ عطلة هو الآخر وحين حدثت المذبحة بعدها بأيام قليلة لم يصرح بأي شيء لا تزال حتى اليوم عالقة في الأذهان كيف تخلت الأمم المتحدة عن حماية سكان البلدة عندما لجأوا لمقر القوة الأممية الهولندية طلبًا للحماية فاستقبلت القليل منهم ورفضت الباقين وتركتهم فريسة سهلة للقوات الصربية التي جاء قائدها راتكو ملاديتش وجلس في اجتماع مع الكولونيل المسؤول هناك كاريمانس، وفي اليوم التالي تجول ملاديتش أمام وسائل الإعلام لتصوره وهو يطمئن المدنيين ويؤكد أن لا مساس بهم، وبعد رحيل الصحفيين بكاميراتهم بدأت حفلة القتل الجماعي والدماء البريئة المستباحة تحت سمع وبصر قوات الأمم المتحدة التي لم تحرك ساكنًا وهي تتابع الصرب وهم يقومون بفصل الرجال عن النساء والأطفال تمهيدًا لإعدامهم، ليستمر هذا الجنون لعدة أيام متواصلة لتسفر عن مقتل ما يقارب 8000 شخص واغتصاب النساء، وتم دفن الجثث في مقابر جماعية ومن سنحت له الفرصة للهروب وهم بالآلاف كانت الغابات بما تحويه من ألغام ورقابة من القوات الصربية هي السبيل الوحيد والجحيم الجديد لهم.
عقب المذبحة لم يصرح المبعوث الأممي ياسوشي أكاشي بأي تصريح وشوهد ملاديتش وكاريمانس يتصافحان ويقرعان الكؤوس، وقدم ملاديتش هدية له وشوهد الجنود الهولنديون وهم يحتفلون بخروجهم من سربرينيتشا وذهب كاريمانس حد وصف المذبحة بالعملية العسكرية المخطط لها بشكل ممتاز، وفي يونيو 2017 صدر بشكل رسمي تقرير عن محكمة هولندية يؤكد تقاعس القوات الهولندية العاملة في حفظ السلام عن حماية المدنيين في سربرينيتشا وقرار محكمة الاستئناف في لاهاي في 2014 بأن قوات حفظ السلام الهولندية كان بإمكانها إدراك أن الرجال الذين لجأوا إلى القاعدة سيتم قتلهم لو أجبروا على الرحيل وهذا ما حدث.
ولتستمر المهزلة وتكتمل أركان ما يمكن اعتباره شبهة تواطؤ، فبعد اتهام المحكمة الدولية لجرائم الحرب في يوغسلافيا كلا من راتكو ملاديتش ورادوفان كراديتش سفاحي الحرب بارتكاب جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية وجرائم حرب وضد الإنسانية وبعد اختفاء الأول السفاح ملاديتش عن الأنظار لمدة 16 عامًا منذ انتهاء الحرب في 1995 حتى تم إلقاء القبض عليه في مايو 2011 وتكتفي المحكمة بالحكم عليه فقط بالسجن مدى الحياة بعد 6 سنوات من المحاكمة في نوفمبر 2017 واختفاء الثاني كراديتش عن الأنظار لمدة 13 عامًا حتى تم القبض عليه في يوليو 2008 لتستمر محاكمته حتى مارس 2016 ويحكم عليه بالسجن 40 عامًا ويتم النطق بالحكم في مارس 2019 وتأكيده في مايو 2019 أي بعد 11 عاما كاملة من المحاكمات في فصل هزلي جديد من المحاكمات الحنونة ضد أي مجرم حرب ما دام الضحايا مسلمين، سجن مدى الحياة للسفاح الأول و40 عامًا للسفاح الثاني داخل سجون تتمتع بكافة المميزات التي تنص عليها المواثيق الدولية، وكلاهما ارتكب جرائمه المروعة تحت سمع وبصر قوات حلف الناتو والأمم المتحدة الملزمة بتنفيذ القرارات الدولية التي نصت على حماية مسلمي البوسنة والهرسك من القتل والتصفية والتهجير وداست عليها القوات الصربية بدباباتها وأحذيتها، ثم تمتع قادتها بتلك الحقوق والمميزات بعد اعتقالهم، ليبرهن الغرب من جديد على عجزه المتعمد وعدالته العرجاء عندما يكون الضحايا من المسلمين، وكان وسيكون في منتهى الحزم والسرعة في الحسم والبطش لو تبدلت المواقع قليلًا وتم التلميح ولو من بعيد أن مرتكب هذا الهجوم أو تلك الجريمة ربما يكون مسلم الديانة.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري