كتاب وأراء

عالمنا يتصبب عرقا

حبشي رشدي
معذرة أننا لن نطيل فتح شباكنا هذا الأسبوع على دنيا تضج بالشكوى من درجة حرارة عالية جدا، فلم يعد بوسع الكثيرين ابتداء من الهند جنوبا وحتى وسط أوروبا العجوز شمالا أن يفتحوا شبابيك بيوتهم على مصاريعها، تجنبا لدخول هواء المنخفض الهندي الموسمي اللافح، واتقاء لدرجة حرارة تجاوزت الخمسة والأربعين، حتى في اوروبا الباردة، حتى انني أقترح على الروس ان يسوقوا سيبيريا سياحيا في الصيف لتكون مصيفا رائعا، وان يفعل الأميركيون والكنديون الشيء ذاته في الاسكا، بدلا من ان تقبر القارة البيضاء عشرات الآلاف من ضحايا الحرارة الشديدة، كما سبق ان فقدت أعدادا ضخمة هم ضحايا الحر الشديد في العام 2003، حيث بلغ عدد قتلى ارتفاع الحرارة نحو 70 ألفا.
ومن المعروف أن سكان دول شرقنا الأوسط البركاني سياسيا، كانوا يهرعون إلى الاصقاع المعتدلة في اوروبا أو في غيرها هربا من حر الصيف، الآن لم يعد من المجدي اللوذ ببرودة اوروبا، لأن هذه القارة البيضاء لم تعد باردة صيفا ولا حتى معتدلة كما كنا نعتادها، بل ان عددا ليس قليلا من سكانها يموتون حرا، وتقفز درجة الحرارة فيها إلى المعدل ذاته للحرارة في الخليج أو السودان أو القرن الافريقي برمته.
الموت حرا هذا العام بدأ بالهند حيث إن أكثر من مائة ألف شخص لقي حتفه في ولاية بهار شمالي الهند حيث تخطت درجات الحرارة قبل نحو الأسبوع حاجز الخمسين درجة، ولكن الموت حرا في اوروبا يحدث بدرجة حرارة من الاربعينات، كما توهجت قبل ايام في فرنسا وأشاعت حالة من الضجر والذعر، حيث يعتبر كبار السن والحوامل والأطفال من بين الفئات المعرضة للخطر بسبب ضعف مناعتهم.
ويدق علماء وباحثون ناقوس الخطر منذ ان رصدوا انهيارات جليدية كبيرة وغير مسبوقة في القطبين، وايضا حينما رصدت الأقمار الصناعية تضاعف معدل ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهمالايا خلال 20 عاماً فقط، وبدأت أصابع الاتهام تشير إلى التلوث، وارتفاع نسبة ثاني اكسيد الكربون في الهواء، وإلى سلوك إنساني أضر ببيئة الكوكب الذي نعيش فيه، بينما هناك فريق آخر يتمترس عند موقف انكار تأثير هذه العوامل وأضرارها ببيئة العالم.
هذا التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة لم تنحصر خسائره الاقتصادية على اشتعال حرائق في بعض غابات جنوب اوروبا، ولكن هناك عددا من كبرى شركات العالم بدءاً بالشركات التكنولوجية في وادي سيليكون وانتهاء بالبنوك الأوروبية الكبيرة صارت تستعد لاحتمال تلقّي ضربة تؤثر على ربحها الإجمالي خلال السنوات الخمس القادمة وذلك بسبب التغير المناخي.
درجات الحرارة المرتفعة دفعت المستهلكين الايطاليين إلى تغيير عاداتهم الغذائية بالإكثار من الفواكه والخضراوات مثل البطيخ وخلافه، ولكن الحلول يجب ان تتجه للاجهاز على التلوث.
- ويقول علماء ان إلغاء التغليف البلاستيكي في المتاجر لا يكفي وحده لإنقاذ كوكب الأرض، كما ان قيام إحدى شركات حافلات النقل في بريطانيا بتركيب فلاتر في باصاتها تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء لتنقيته لن يحل أيضا المشكلة، فالعالم يحتاج إلى إجراءات عالمية صارمة وأساسية وأكثر فاعلية تقضي على الارتفاع الكبير للملوثات في الهواء الجوي، حتى لا نظل نتصبب عرقا.

حبشي رشدي