كتاب وأراء

بين المشرق والمغرب

على جبهتين متقابلتين مشرقا ومغربا، تدشن الأمة منعرجا حاسما في تاريخها المعاصر، حيث أنتجت الموجات الارتدادية للثورات واقعا جديدا يصعب التنبؤ بمآلاته. الثابت هو أن الواقع الجديد يختلف بعمق عن الواقع القديم السابق للانفجار التونسي وهو اختلاف لا تُرصد ملامحه على المستويات السطحية للمجتمع والاقتصاد والسياسة بقدر ما تظهر على مستوى الوعي الفردي والجماعي للمواطن العربي المسلم.وعي ما قبل الثورات مختلف تماما عن وعي ما بعدها، خاصة فيما يتعلق بالمستوى السياسي سواء كان ممثلا بالسلطة الحاكمة أو بالأحزاب المعارضة على اختلاف تشكيلاتها. مرجعيات أُصيبت في مقتل بعد أن كشفت الثورات عن التماهي بين المنظومة الاستبدادية العربية الحاكمة ومختلف التشكيلات الأيدولوجية والفكرية على اختلاف أنواعها.
أزاحت الثورات الشعبية والانقلابات الدامية التي تلتها اللثام عن طبيعة التيارات القومية واليسارية والليبرالية وجزء من التيارات الاسلامية . فشلت كل هذه التيارات الفكرية في تحويل الشعارات الجماهيرية إلى مسار انتقالي بعد أن نجحت الجماهير في الإطاحة بأعتى الأنظمة الاستبدادية وأكثرها شراسة كنظام القذافي .اختلفت التجارب بين المشرق والمغرب، فتحولت ثورة سوريا إلى بحر من الدماء وسقطت ثورة اليمن في قبضة حرب إقليمية طاحنة بعد أن نجح الانقلاب المصري في الإطاحة بأول تجربة ديمقراطية عربية كبرى. كانت التجربة المغربية الوحيدة هي الأنجح ممثلة في التجربة التونسية التي لا تزال تتحسس الطريق نحو مسارات أقل عنفا.هكذا يرتسم مسار غير حديّ بين تجربة مشرقية دامية وأخرى مغربية أقل دموية. يمكن القول إن المسار الليبي الذي قد يندرج في إطار الثورة المسلحة يعتبر أقرب إلى المنوال المشرقي منه إلى المنوال المغاربي، كما نراه في الحالة التونسية أو الحالة الجزائرية اللاحقة. وهو ما قد يجعل من التقسيم الجغرافي لطبيعة الصراع مقولة نسبية. لا ننكر أن الثورات المضادة قد ركزت ردة فعلها على الميدان المشرقي خاصة في مصر وسوريا والسودان لما تمثله هذه الدول من ثقل إقليمي قد يهدد منطقة الخليج التي تمثل مركز الثروة العالمي.إذا كان من الصعب التعويل على المعيار الجغرافي في تفسير الثورات، فإنه يمكن التعويل عليه في تفسير حركة الثورات المضادة التي كان مصدرها الخليج وتحديدا الإمارات والسعودية. هذا المنوال يساهم كذلك في تفسير التقارب الكبير بين هاتين الدولتين والكيان الصهيوني الذي كان يرى في حركة التغيير العربية تهديدا وجوديا له على المدى الطويل.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد