كتاب وأراء

لعبة النفط و«حافة الهاوية» -«2»

منع تصدير النفط الإيراني، أثار حفيظة العديد من الدول التي تعتمد على النفط الإيراني في توفير مصادر الطاقة الأحفورية واستهلاكها، وخاصة اليابان والصين وتركيا والهند، التي تستورد جزءاً كبيراً من نفطها اليومي من إيران، وهي دول مستهلكة للنفط، وتفتقر له في أراضيها، باستثناء الصين الشعبية التي لديها كميات قليلة من النفط في أراضي تشنيانغ (مناطق الإيغور) غرب الصين.
التحولات إياها التي جرت خلال الأسابيع الماضية في منطقة الخليج بين واشنطن وايران، دفعت نحو ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي إلى أعلى مستوياتها للعام 2019، بعد إعلان واشنطن إنهاء «الاستثناء الذي سمحت بموجبه إعفاءات ثماني دول من العقوبات على توريد النفط الإيراني»، وإجبار كافة دول العالم على وقف شراء النفط الخام من إيران، رابع أكبر مُنتج عالمي، التي كانت تنتج قبل الحَظْر الأميركي، أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً. لذلك، فإن واشنطن تسعى الآن لدفع دول منظمة الأوبك لزيادة إنتاج النفط، بهدف تعويض النقص في الأسواق العالمية عن النفط الإيراني، وخفْضِ الأسْعار التي ارتفعت، وليصبح إنتاج السعودية على سبيل المثال نحو أكثر من عشرة ملايين برميل في اليوم الواحد، علماً أن صادراتها النفطية تُقدر بنحو سبعة ملايين برميل يومياً، أما الولايات المتحدة فإنها قَرّرت زيادة إنتاجها لتصبح سنة 2019، أكبر منتج عالمي للنفط الخام، بأكثر من 12 مليون برميل يومياً بما في ذلك النفط الصخري، ولترتفع صادراتها إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميا، والباقي للاستهلاك المحلي، حيث تعتبر الولايات المتحدة أول مستهلك للنفط في العالم تليها الصين الشعبية. كما يُعتبر رفْع حصة واشنطن من سوق النفط، من أهم أهداف العقوبات الأميركية على فنزويلا وإيران، وتصديرها إلى الهند واليابان وكوريا الجنوبية.
بينما انخفضت صادرات النفط الإيراني، خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر أبريل 2019، إلى أقل من مليون برميل يوميا، وكانت الصين الشعبية أكبر مسْتورِدٍ للنفط الخام الإيراني (قبل الهند واليابان وكوريا الجنوبية) بنحو 800 ألف برميل يوميا سنة 2017، وبنحو 29.27 مليون طن سنويا، أو ما يعادل 585.4 ألف برميل يوميا طيلة سنة 2018، أو ما يشكل نحو 6 % من إجمالي واردات الصين النفطية، والصين واحدة من ثمانية مشترين عالميين نالوا إعفاءات لاستيراد النفط الخام الإيراني. لكن في نوفمبر 2018، بدأت تنخفض مشترياتها النفطية من إيران ووصلت إلى معدّل 500 ألف برميل يومياً منذ بداية سنة 2019، واعتبرت حكومة الصّين إن القرار الأميركي يَضُرُّ بمصالح الصين، التي «ستواصل العمل لحماية الحقوق الشرعية للشركات الصينية»، بحسب وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء في نشرتها ليوم الاثنين 22/‏‏04/‏‏2019.
أخيراً، إن الولايات المتحدة باتت الآن على قناعة راسخة بأن الأسهل والأفضل لها أن تواصل الضغط على إيران بكل الوسائل الممكنة، واللجوء إلى منعها من تصدير النفط الأحفوري، أو تقليل حصتها منه على الأقل، وذلك بدلاً من الدخول في مغامرة عسكرية غير محسوبة المخاطر، بل وقد تجلب لها المتاعب والكوارث الجديدة، بعد تجاربها المريرة في أفغانستان والعراق وغيرها من مناطق وبؤر التوتر المشتعلة في العالم، خصوصاً أن موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية بدأ يقترب، وبدأت الاستعدادات الأولية لها منذ الآن، فيما يطمح الرئيس دونالد ترامب للفوز بفترة رئاسية ثانية. فالدخول في مغامرة عسكرية خارجية غير محمودة العواقب، قد تطيح بكل آماله بالصعود للرئاسة الأميركية لفترة ثانية.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان