كتاب وأراء

لسان الموت .. خنجر الرغبة !

بقلم :

د.سعاد درير
كاتبة مغربية
أُنُوثة صارخة تُطِلُّ من نافذةِ غرفةِ حياةٍ ستائرها مُتَّشِحَة بالسواد، قلبُ الأنثى وعيناها يستعطفان العِباد، وجسدُها، جسدُها هذا النابض بالحياة ها نَحْنُ نَراه بعيدا عن ألوان قوسِ قزح الحياة يُعْلِنُ الحِداد..
مفاتِنُ امرأةٍ، يُنتظَر منها ارتفاع صوتِ نبضِ القلب العاشق لِمُدُن الضوء، ها نَحْنُ نَقِفُ عند سقوط عرشها بعد أن تمكن منها فنجانُ ليلٍ أسود لا يَعِد بانبلاج صُبحِه..
تَرنيمةُ حزنٍ تَستحيل تعويذةً من شياطين الألم تلك الحالفة أن تَقهر جبال القلب، والقلب الصامد نَراه يُدْمِي العينين في مَشهَد ألمٍ مِن الصعب أن يتكرر في لحظات تُلفظ فيها أنفاس الأمَل..
عَمَّ نتحدث يا صديقي؟!
وفي أيّ صفحةٍ مِن مُجَلَّد الحكايات الدامعة نَنصبُ خيمتنا؟!
مفتوحة دعوتي لكَ يا صديقي إلى قلعةٍ أخرى شهدَتْ مصرعَ الإحساس بطيور الأمل تُحَلِّقُ عن قرب، فليس عندي أكثر مِن وَقفة تضامنية مع امرأة تُشْبِهُنِي، تُشبهني بِقَدر ما تَختلف عني مِن الأَلِف إلى الياء..
أدعوك مرة أخرى يا رفيقَ دربي إلى رحلةِ تأملٍ على امتداد حياة صغيرة، حياة نتقاسم فيها البطولة أنا وأنتَ، ولْتَكُنْ ثالثتنا بطلة خرساء ساقَها إلينا قَدَرُ ريشة الفنان توماس بنيامين كيننجتون Thomas Benjamin Kennington.
لِنَقُلْ إنها بطلة حسناء، لكنها خرساء، خرساء هي هاربة من ذَيْل الوقت، لكنها تَختزل صرخات النساء، بَطلة تُقيِّد خطواتِ رحلة الإنسان العبثية بين ضفتين أولهما الموت وثانيهما الحياة..
ليلٌ دامس، وأطلال ذكريات تَعصر تفاحةَ القلب غير المشتهاة في زمن القسوة، وسديم طاغٍ ذاك الذي يصبغ الفضاءَ بلون الموت قبل أوان الموت، سديم يعكس اختلال ميزان الرضا بالقليل ويُنذر بفوضى غير خَلاَّقة، فوضى تَأكل الزرع والقلب..
ماذا هناك أكثر من هذا؟!
هناك طفل (البطل الميت)، طفل هو يلفت الانتباه إليه بحرارةٍ وقد خارَتْ قواه، وها قد أعلَنَتْ ساعةُ حياته دقيقتَها الستين على بُعد أنفاس ذابلة تَصدر عن فَمٍ خانَتْه القدرة على الصراخ..
لا فَمَ هُنا غير فَمِ المرأة الْمُشْفِقون نَحْنُ على أُنوثتها المحترقة، أُنوثتها الخابية العِطْر بين عَجْزٍ وقَهْر، إنها أنوثة امرأة لا يَعترف بها مِيزان الحَظّ، لكنها ضَرْبة القَدَر تَأتيك بما لا يَخطر على البال في متر مربع إنسانية هاربة مِن قميصها..
بين بِركة الواقع ومِرآة الاشتهاء ما بين القَدَم والحِذاء، لكنها ركلة الزمن الْمُقْرِف هذا الذي يزجّ بمعطف الأنوثة الدافئ في مزبلة الشيخوخة الْمُبَكِّرة، أو لِنَقُلْ إنها الشيخوخة الزاحفة قبل أوانها..
أنوثة تُعادِل شريطَ لحمٍ مملَّح بالخيبة والانتكاسات، شريط لحم مُعَلَّق على حبل الحياة، شريط لحم فارّ مِن الغِيلان (ج. غُول) والثيران، غيلان الوقت الطاحن، وثيران الوقت الناطح..
لحظات مصيرية تَستند فيها الأنثى الجافة العينين إلى الأرض في انتظار «غُودُو»، غودو هذا رسول الخلاص الذي قد يأتي ولا يأتي..
حزن الأيام المنفلتة تَضعها الأنثى الوالهة في صُرَّةٍ مِن ثوب، بينما يداها عالقتان بما تَبَقَّى من أبواب طفولة مستسلمة لبداية النهاية، طفولة نائمة بالإكراه، طفولة بقوةٍ يَصْفِقُ القَدَرُ أبوابَها مِن حيث لا تَدري جمرة الأمومة المشتعلة في قلب الأنثى الواهنة..
مِن الوَهن إلى الهَوان تَكتب الخيبةُ حكايةَ حزن كبيرة، تكتبها بقلم النار ذاك النازف حِبرُه في صمتٍ وبإصرار، ومتى وأين؟ على امتداد فصل بارد الإحساس في مساحة ضيقة بين رصيفين من شارع الحرمان ذاك الذي لا يَعترف بعجز الإنسان..
أكثر مِن نبرة حزينة تَقِفُ عند حدود الشفتين، أكثر مِن غصَّة تَسدّ مجرى الحلق، أكثر مِن لهفة تَسبق النظرة إلى كتلة جسدٍ صغيرة خَبَتْ فيها عقارب ساعة الحياة، أكثر مِن نبضةِ قلبٍ تَربط أسلاكَ الحُبّ بجرَّة الحنان التي كانت تَعِدُ بجرعات وجرعات بالمجَّان..
إنها جرَّة الحنان التي كان مارد طفولتها يَبعث الأمل والحياة والإحساس في ما تَبَقَّى مِن كِيان، وها هو يَنطفئ كيان امرأة أقسَمَتْ أن تُغادِر عتبة الحياة إن غادَرَ مَن يَكون لها الحياة..
ركبتان حافيتان تشرئبّان مِن سفينة طفولة دَقَّتْ أجراسَ موعدِ نهايةِ رحلتها الأخيرة، عينان منطفئتان، شفتان شاهدتان على مسلسل صمود حتى النخاع من أجل عينيها هي الأنثى الحالمة باستئناف أمومةٍ خَفتَتْ شمعتها..
تَحَدٍّ يَلين له الحديد، صمود ما بَعْده صمود، وشهادة ما بعدها شهادة! لِنَقُلْ إنها شهادة وفاة تُقدمها يَدُ القَدَر لامرأة باتَتْ قطعة بلا قلبٍ وزُقاقا بلا عنوان..
بحبر الليل، الليل السابق لأوانه، يَكتُبُ المشهدُ حكاية موتٍ، حكاية موتٍ صغيرة، حكاية موتٍ لا بطولة لأبطالها، فلسان الموت أمضى كلمةً مِن خنجر الرغبة..
هذا هبوبُ موسم الموت، ولحظة الهبوب هذه تُجَسِّدُها قبعة الصغير الساقطة غير بعيد عن قَدَمَيْ الأُمّ المتصببة أنوثة في غير مواسم الأنوثة، إنها قبعة الحاجة إلى يَدِ الآخَر الخازنة للرغيف إلى أن اسْتَفْحَلَ إحساسا باليُتمِ ذاك النزيف..
نزيف الروح يا صديقي وما أدراك! إنه نزيف الروح المنسلخة عن جسدها، الروح تَسقط من ذاكرة الجسد، وليل المعذَّبين المتصبِّبين حُرقَةً حدّ الإجهاش بدموع الكمد أمَا عادَ يَخشاه أحَد؟!
ثوب الأنثى الرقيق ذاك الذي لا يَحولُ دون لسعات أشواك البرد، وصُرَّة ملابسها الضئيلة تلك الملقاة جانبا على المساحة المبللة بماء عيون الشتاء، وحِذاء قطعة الطفولة الواعد بالدفء في غير زمن الدفء، والجسدان المتهالكان (الأم الشابة وصغيرها) المعانقان للأرض الرطبة، والطريق الطويل الغارق في أوحاله إيحاءً باستحالة عُبور بَطَلَيْ اللوحة الناطقة لجسر الحياة، ذاك الجسر المهترئ والمؤذن بالسقوط، إنه الجسر الممتد على نهر يَغْلِي بحِمَم أوجاعه اللافحة لِمَلامح وجهِ حياةٍ ما عادَتْ مشتهاة..
ها نحن يا صديقي أمام مَشهدٍ يَطوي الروحَ طَيّاً ويَكوي القلبَ كَيّاً ويَشْوِي العيون شَيّاً، مَشهد يَحلب القلبَ والعينين في غير أوقات شتائهما الْمُمْطِر..
إنها لوحة تُعادِلُ روايةً من حيث القدرة على الاستنطاق في معرض التَّلقي، وبالْمِثْل مِن حيث القدرة على البَوْح وسَرْد التفاصيل، بَلْ لِنَقُلْ إنه الكثير الكثير من خيوط المعنى يُشَكِّل ضفيرةَ البناء السردي بِأَقَلّ العلامات الموحية تَشْكِيلا..
أمام هذه الطفولة الراحلة قبل أوانها، وأمام هذه الأنوثة الْمَنسية والأمومة الْمَنفية، ليس في وسعك يا صديقي إلا أن تَموتَ حسرةً وشجنا، ليس في وسعك ولا في وسعي إلا أن نموت موتَ الأشجار، نَموت واقفين..
هل هذا أيضا ما يَسرده المشهَدُ؟!
بالتأكيد يا صديقي، وهذا ما يَحكيه بِلُغَةِ أَهْلِ التشكيل جذعُ الشجرة ذاك الماثل يمينَ اللوحة وهو يعكس ظِلَّه مِرْآويا على الماء الذي يَغمر الأرض الباردة، إنه ظِلّ الجذع نفسه ذاك المتقاطع مع الرصيف والْمُسَيِّج لإطارِ حالةِ الوجع المستعصي شفاؤها..
إنهما نموذجا مُعَذَّبَيْن مُشَرَّدَيْن لا مكان لهما إلا في هامش الحياة الذي لا يَعترف به الْمَرْكَز.. صحيح أن الفنان توماس بنيامين كيننجتون يَتخذ لهما موقعا في المركز، لكن المراد من خطته الفنية هو السعي إلى تسليط الكثير من الضوء عليهما وإعطاء الأهمية لهما كمدخل لدفعنا إلى محاكمة الزمن هذا الذي لم يُنصفهما وكذلك محاكمة الظروف التي لم تَكُنْ عادلة معهما..
هما نموذجا بسطاءٍ محرومين مُعَلَّقين على عمود الحياة ذاك الذي يَرمز إليه جذعُ الشجرة، الجذع المنتصب كعمود مشنقة، لذلك كان من الطبيعي أن تُسَلِّط عليهما فُرشاة الفنان ما يكفي من أضواء مُعَبِّرة، وهي لمحة فنية ذكية، لاسيما وأن هذا الشقي بفُرشاته توماس بنيامين كيننجتون يُصَوِّر كُلَّ ما يُوحي بالحياة مِن مبانٍ ومَساكِن (وما جاوَرَهما) غارقا في السديمية مُتَّخِذاً له مكانا في الخلفية..
إنه مَشهد مِن أكثر الْمَشاهِد تعبيرا عن بُؤس الإنسان على أرض الشقاء، وأيّ أرض؟! إنها الأرض التي يُكافح فيها الإنسان كالدجاجة، بل إنه يُقاتِل فيها من أجل «عضة» مِن الخبز الحارّ حرارة «فلفل حارّ» يُمَنِّيكَ ولا يَنْسَى أن يَعِدَكَ بنصيب من حموضة العُصارة الْمَعِدِية وقَرْصَة البواسير..
إنه جانِب مِن أشكال الألم التي تَسرق الإحساسَ بالرضا في درجاته الدنيا تحت الصفر، فَلْتَتَصَوَّرْ مِن ثمة يا صديقي كيف لا تَختلف حياة محروم عن حال مَن يَخضع لِتَعذيبٍ بالصَّعْقِ الكهربائي!
لوحة المرأة الْمُشَرَّدَة مع طِفلها الذي أَنْهَكَهُ المرض لوحة قوية التأثير والتعبير، لوحة تَسجنكَ بين قضبانها تلك التي لا تختلف عن غرفة حياة كبيرة تَسجنك وتُعَلِّق أحلامَكَ على أسوارها الْمُبَلَّطَة سطوحها بِشَقَفات الزجاج..
في هذه القطعة الفنية الباذخة الدلالة، نَجِد الفنان التشكيلي الانجليزي يُغادِر شرفَتَه المضيئة لِيَنزل إلى الشارع المظلِم، شارع البسطاء الذين تَأَجَّلَتْ أحلامُهم البسيطة في الحياة، وأَوَّل الأحلام رغيفٌ لا يَنام..
صاحبُنا التشكيلي الماهر والحاذق لا يكتفي بأن يَلعن ظلمة البؤس والغبن في دائرة الأحوال الاجتماعية، إنما يَتدخل عبرَ خيطِ مَوهبته ألفَذَّة لِيُقَرِّبَ المسافةَ بين الرافضين أن يُبْصِروا شيئا مِن المعاناة اليومية وبينَ المسحوقين الذين يَمْتَحِقُهُم الواقع الاجتماعي الْمَرِير..
هذا الفنان يَرفع شيئا فشيئا ستائرَ الظلام لِيُوقد أصابعَه بَدَلَ الشموع.. وبأصابعه الرقيقة الإحساس، تِلك التي خَبرَت العزفَ على أوتار القلب، نَجِد الفنان يَمْتَصُّ الفراغَ بين الإنسان والإنسان..
مَهْمَا نلْتَ مِن الثراء، ومهما رَكبَكَ مِن الغرور، ومهما رَفَعْتَ من صوت تمرُّدِكَ لِتُخِيفَ الضُّعفاء، فإن في يَدِكَ وحدك وصفَة الدواء التي تُعيد الاعتبارَ لإنسانيةٍ مَرَّغَها في الترفُّع عنها الداء..
رسالةُ لوحة توماس بنيامين كيننجتون مَفادُها في كلمتين: كفانا أنانية، وحُبّاً لنفوسنا، ولْنُجَرِّبْ، لِنُجَرِّبْ أن نُرَبِّيَ إحساسَنا بالآخَرين، على الأقلّ مِنْ باب التعاطف معهم بقلوبنا إن غاب الدعم المادي!

سعاد درير