كتاب وأراء

استشهاد الرئيس ومعضلة الارتجال السياسي! - « 2»

حين هتفت الجماهير الحاضرة في افتتاح كأس الأمم الأفريقية والتي تستضيفها مصر باسم لاعب كرة القدم المصري السابق «محمد أبوتريكة» في الدقيقة 22 من عمر المباراة الافتتاحية نسبة للرقم الذي كان يرتديه اللاعب،
وهو الحدث الذي خطف اللقطة من الجنرال السيسي وهو من كان يمني النفس بالحصول على صدارة المشهد الذي كان يتابعه الملايين حول العالم في استنساخ لتجربة الأرجنتين في استضافة كأس العالم عام 1978 تحت حكم الجنرال الانقلابي خورخي فيديلا الذي أتى لسدة الحكم عبر انقلاب عسكري في عام 1976 واعتقل الرئيسة المنتخبة إيزابيل بيرون، ولكن انقلب الحال وأصبح الجنرال المتلعثم محط سخرية الجميع حين فشل في التعامل مع مكبرات الصوت أثناء إلقائه لكلمة الافتتاح، كان الأمر بمثابة رسالة أن جل ما يخشاه النظام هو توحد الجماهير خلف أي فكرة مهما كان مدلولها سياسيا أو رياضيا أو إنسانيا فهذا هو الرعب في حد ذاته، ولكن يبدو أن فصائل المعارضة المصرية حتى اللحظة لا يمكنها استيعاب الدرس الثوري الأهم وهو توحيد الصفوف والرسائل التي يتم إرسالها من كل عاقل، حتى النظام الانقلابي نفسه يفعل هذا بقيامه باستهداف كل من يعارضه وبشتى الوسائل من أدناها إلى أعنفها ولا يفرق في هذا بين معارض إسلامي أو يساري أو غير مؤدلج فالجميع في مرمى نيرانه لو تبنى أي رؤية أو رأي تخالف توجهات وقرارات العسكر.
ها قد رحل الرئيس الشهيد محمد مرسي إلى جوار ربه وكما تخلص النظام العسكري من معضلة كانت تؤرق مضاجعه وتجعل من السيسي يرى أمام نفسه قبل أن يراه الآخرون مجرد جنرال انقلابي لا شرعية له وفاقد لأحقية الجلوس على كرسي الرئاسة وهو كذلك وسيبقى للأبد فالمعادلة السياسية والتعاطي معها قد تكون تغيرت برحيل الرئيس الشرعي لكنها لا تنفي عن السيسي صفة الانقلابي مهما فعل، وفي الجانب المقابل وأعني المعارضين للحكم العسكري وانقلاب 3 يوليو 2013 قد انتهت برحيل الرئيس الشهيد أحد أهم العوائق التي كانت تقف في طريق توحيد الصفوف وإيجاد قاعدة للعمل المشترك لإزاحة الحكم العسكري الذي يدفع الجميع بلا استثناء ثمن تواجده، ويطرح تساؤلات عدة حول مدى استعداد تلك الفصائل والقوى المعارضة على تحمل مسؤوليتها أمام نفسها وأمام الشعب المصري، وهل ستستطيع تخطي عقبة الاختلافات في الرأي والرؤى والأجندات السياسية المختلفة التوجهات والتي يمكن التعايش معها في ظل نظام ديمقراطي يحترم التعددية ويكون الشعب هو مصدر السلطات وصاحب الحق الأوحد في منح أحقية الحكم لهذا الفصيل أو ذاك ولكن مع وجود نظام استبدادي فلا حق لأحد والفيصل هو حكم السلاح لا السياسة وصناديق الذخيرة لا الاقتراع، وهل ستدرك أنه لا يوجد فصيل مهما بلغت قوته وشعبيته وعدد أنصاره سيتمكن بمفرده من التغلب على النظام الانقلابي؟! إن القوى الثورية المصرية بكل أطيافها الشبابية والمخضرمة، الإسلامية والليبرالية واليسارية والعلمانية، ملزمة في الوقت الراهن بالتوبة من داء التشرذم الذي جعل ثورتها على وشك المصادرة بصفة نهائية والدولة المصرية بأكملها على شفا السقوط، فلقد كشر النظام الانقلابي عن أنيابه وحشد كل أسلحته وحلفائه من الدولة العميقة ومموليه وداعميه من الخارج من أجل تركيع الدولة ونهب خيراتها والتفريط في مقدراتها وحتى جغرافيتها وتحولت مصر فعليًا إلى دولة تحكم بالطريقة البريتوريانية حيث لا صوت فيها إلا للمؤسسة العسكرية دون غيرها.
لقد خسرت الثورة المصرية الكثير وربحت الثورة المضادة العديد من النقاط حتى الآن، لكن يمكن للقوى الثورية المناوئة للانقلاب أن تكسب معركتها الحاسمة إذا اتسمت بشيءٍ من التواضع والتجرد وتنحية الخلافات جانبًا وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الحزبية والآجل على العاجل وجعلت من استشهاد الرئيس محمد مرسي وثباته على موقفه ومبادئه ورفضه التفريط أو المساومة على حقوق وثورة الشعب المصري نقطة انطلاق لتجميع شتاتها وتوحيد صفوفها من أجل تحرير مصر من حكم عسكري قام بحبس أصوات الشعب المصري خلف جدران المعتقلات وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية.
(يتبع)
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري