كتاب وأراء

استشهاد الرئيس ومعضلة الارتجال السياسي ! «1 - 2»

ربما تكون أهم المعضلات التي تعاني منها غالبية النخب السياسية المحسوبة على معسكر الثورات الشعبية في عالمنا العربي هي تفردها بما يمكن تسميته بالارتجال السياسي، ويتجلى في أوضح صوره في الحالة المصرية على وجه الخصوص حيث لا توجد خطط لها مدى زمني معين أو خطوات محددة يتم الاتفاق عليها ثم العمل على تنفيذها ويتم من خلالها الوصول للأهداف الثورية مع وضع هامش للأحداث المفاجئة التي قد تقع وتعرقل أو حتى تساعد على الدفع للأمام في طريق تحرير البلاد من نير الاستبداد العسكري.
فحتى اللحظة يبدو أنه لا يتوفر لدى تلك النخب والفصائل بلا استثناء لا تخطيط ولا تجهيز ولا حتى اتفاق على الخطوط العريضة التي يمكن أن تجمع شتات المختلفين فكريًا وأيديوجيًا، ولكن يجمعهم قاسم مشترك وخصم واحد يستهدف الجميع ويستغل هذا التشرذم والتفرق لضرب الجميع بلا رحمة أو هوادة حتى ينفرد بالمشهد ويستمر في إحكام سيطرته على مفاصل الدولة بما يخدم مصالحه ويرسخ لتوريث الحكم في الدولة للمؤسسة العسكرية دون غيرها حتى لو تغير اسم مندوبها الجالس في كرسي الرئاسة المغتصب.
لكل نظام قمعي استبدادي وعلى مر التاريخ يوجد أو يتم إيجاد بعبع وفزاعة ليتم توجيه اللوم لها وإلقاء كل الذنوب والموبقات على كاهلها كونها السبب الرئيسي والأوحد لكل المشاكل والعوائق التي تمنع الدولة من التقدم والازدهار والرخاء، وفي حالة الربيع العربي تم الاتفاق ضمنيًا بين جميع الأنظمة التي خرجت ضدها الثورات على فزاعة الإسلام السياسي وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين، فهذا التيار وتلك الجماعة هم المتسبب في كل ما حدث ويحدث وسيحدث من مشاكل أمنية وسياسية واقتصادية لهذه الدولة أو تلك، وربما تكون أحد الأسباب التي يرتكز عليها الإعلام الموالي لأنظمة وأحلاف الثورة المضادة هو أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة عابرة للحدود ولها ارتباطات متعددة داخليًا وخارجيًا بحكم انتشارها حول العالم ولا يقتصر على منطقة جغرافية بعينها وإن كان العالم العربي هو مركز الثقل ومصر المركز الرئيسي لها، ولهذا وعلى مر تاريخ الجماعة كان أقسى الضربات وأعنفها تتلقاها في مصر، وأيضًا يتم دومًا استغلال هذا من طرف التيارات السياسية العلمانية بشتى مدارسها من حيث وضع ثنائية الدولة الدينية والدولة العسكرية كخيارين لا ثالث لهما في حالة عدم مقدرتهم على تحقيق المكاسب السياسية لو تم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وحين يتم مجرد التلويح بحتمية أن يجتمع الفرقاء من القوى الثورية ويوحدوا صفوفهم للتخلص من هذا النظام القمعي هنا أو الاستبدادي هناك، والحالة الحالية لمعسكر الثورة المصرية هو أفضل مثال.
لم تمر سوى عدة أيام على استشهاد الرئيس محمد مرسي في محبسه حتى قام النظام العسكري باعتقال تشكيلة واسعة ومن أطياف مختلفة تضمنت عددا من السياسيين والنشطاء واتهام آخرين في الخارج وجاء في بيان وزارة الداخلية المصرية إن «قطاع الأمن الوطني رصد مخطط جماعة الإخوان بالتنسيق مع القيادات الإثارية الموالية لها، ممن يدعون أنهم من ممثلي القوى السياسية المدنية تحت مسمى خطة الأمل، والتي تقوم على توحيد صفوفهم وتوفير الدعم المالي من عوائد وأرباح بعض الكيانات الاقتصادية التي يديرها قيادات الجماعة والعناصر الإثارية، لاستهداف الدولة ومؤسساتها وصولا، لإسقاطها تزامنا مع الاحتفال بذكرى ثورة 30 يونيو»، ولو قمنا بالنظر إلى الخلفيات السياسية للشخصيات التي تم اعتقالها لوجدنا أن الربط بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين هو درب من الجنون المختلط بالعبث فبينهم من كان معارضًا وبشراسة لحكم الرئيس محمد مرسي ومن دعاة 30 يونيو ومنتمين لحزب تم اختيار بعض اعضائه في أول تشكيل حكومي بعد الانقلاب العسكري، لكنه الخوف من أي تجمع مهما كان توجهه وأجندته السياسية طالما لا ينتهج نهج النظام العسكري أو يقوم بالتطبيل له أو يسعى لتغيير المعادلة القائمة ولو بشكل بسيط ولا يقترب من فرضية الثورة على النظام نفسه وهو عمل سياسي مشروع لا جدال في هذا. حين هتفت الجماهير الحاضرة في افتتاح كأس الأمم الأفريقية والتي تستضيفها مصر باسم لاعب كرة القدم المصري السابق «محمد أبوتريكة» في الدقيقة 22 من عمر المباراة الافتتاحية نسبة للرقم الذي كان يرتديه اللاعب، وهو الحدث الذي خطف اللقطة من الجنرال السيسي وهو من كان يمني النفس بالحصول على صدارة المشهد الذي كان يتابعه الملايين حول العالم في استنساخ لتجربة الأرجنتين في استضافة كأس العالم عام 1978 تحت حكم الجنرال الانقلابي خورخي فيديلا الذي أتى لسدة الحكم عبر انقلاب عسكري في عام 1976 واعتقل الرئيسة المنتخبة إيزابيل بيرون.
{ (يتبع)
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري