كتاب وأراء

ملاحظات «طارئة».. على «البيان الختامي» للقمة الاستثنائية الخليجية

عندما رفرف علم قطر خفاقاً في سماء مكة

عندما رفرف علم قطر خفاقاً في سماء مكة

ستبقى مشاركة قطر الإيجابية، في «القمم الثلاث» الخليجية والعربية والإسلامية، التي عقدت في مكة المكرمة، بدعوة من «خادم الحرمين الشريفين»، حدثاً مفصلياً، في تاريخ الحصار الجائر، الذي يتأهب لدخول عامه الثالث، يوم الأربعاء المقبل، المصادف الخامس من يونيو الجاري.
.. وما من شك، في أن هذا الحدث يستحق الحديث عنه، ولا يمكن إغفاله، أو تجاهلـــه، أو تجـــاوزه، أو القفز فوقه، أو إدارة الظهر له، أو إظهار عدم الاهتمام به، بدعوى أن المشاركة القطرية، في «القمم» التي دعت السعودية لانعقادها واستضافتها، لا تخرج عن إطار المشاركة الروتينية، تلبية لدعوة بروتوكولية.
.. ولو تعاملنا في إطار «البروتوكول»، بعيداً عن التهليل لتلك المشاركة القطرية، أو التقليل من قيمتها، أو التهويل في نتائجها أو التضليل في مضمونها، أو التطبيل لمخرجاتها، فما من شك في أن مشاركة قطر في «قمم مكة» الثلاث، بوفد رفيع المستوى، تنفيذاً لتوجيهات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، تؤكد التزام قطر بوحدة الصف الخليجي، قولاً وفعلاً وتفاعلاً، وفاعلية قطرية، بعيداً عن الانفعالية.
.. ويكفي أن الوفد الرسمي القطري تولى رئاسته معالي الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني، رئيس مجلـــــس الـــــوزراء وزير الداخلـــــية، الذي أكد خــــلال مشـــاركته الإيجابية، حرص قطر على التضامن العربي، والتزام الدوحة بتعزيز التعاون الإسلامي.
.. وخارج سياق الزيادات والمزايدات، أو المزادات السياسية، ربما يكون أكبر المكاسب التي حققتها قطر، خلال مشاركتها في «القمم الثلاث»، أن العلم القطري، بلونيه «الأدعم» والأبيض، عاكساً هوية الدولة، التي يتهمونها، زوراً وبهتاناً، بدعم «الإرهاب»، رفرف عالياً خفاقاً في سماء مكة المكرمة، حيث الوحي الإلهي هبط على رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، وحيث بيت الله الحرام، ولا كلام بعد ذلك، عن «دويلة إرهابية»، ارتفع علمها عالياً، حيث مهبط الرسالة السماوية!
.. ومع رفرفة العلم القطري في سماء السعودية، دخل رئيس وأعضاء وفدنا الرسمي مكة، وخرجوا منها، مرفوعي الرأس، دون التنازل عن ثوابتنا الوطنية، ودون الإذعان أو الرضوخ أو الخضوع لمطالبهم غير المنطقية، التي تمثل تدخلاً سافراً في شؤوننا الداخلية.
.. ولعل الثابت في حزمة الثوابت التي أثبتتها المشاركة القطريـــة، أنهـــــا أكــــدت عــدم صحـــة المزاعـــــم والافتـــــراءات والادعــــــاءات التي روجوهــــــــا في أبـــــواقهــــم، على مدى أكثر من «700» يوم، هي عُمر الأزمة المفتعلة ضد قطر، عبر اتهامها بأنها «حاضنة الإرهاب».
.. وما من شك في أن مصافحة «خادم الحرمين الشريفين» لمعالي الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني، عند قدومه إلى قاعة الاجتماعات في «قصر الصفا»، الممتد بأســـواره وأســــراره في مكــــة المكــــرمة، لها دلالتها الرمزية، وأدلتها القطعية، التي تدحض اتهاماتهم المضللة، وادعاءاتهم الباطلة، حيث لا يمكن للعاهل السعودي، أن يصافح رئيس وزراء دولة تدعم «الإرهــــــاب»، ويستضيفــــه في رحــاب «البيت العتيق».
.. وخارج إطار «التحريض الإرهابي»، الذي تمارسه دول الحصار ضد قطر، فإن أكثر ما أثار اهتمامي، وأكبر موقف، أحسسني بالزهو، وأشعرني بالفخر، أن معالي «رئيس الوزراء» الموقر، كان يسير باتجاه الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، واثق الخطى، مرفوع الرأس، منتصب القامة، عـــالي الهمــــة، عاكــساً صلابة الشخصية القطرية، وكرامتها وشموخها وعزتها، واعتزازها بذاتها، وكأنه علــم قطـــري، اعتاد أن يرفرف عالياً، بكل مجد وعز وشموخ، فوق علياء القمم.
.. وبعد ختام «القمم الثلاث»، التي التأمت في مكة المكرمة، أعتقد أن أكثر العبارات تداولاً، وأكثرها تناولاً، لوصف الموقف القطري، تتجسد في قول صديقي شاعر الوطن، الأخ فالح العجلان الهاجري، في مطلع قصيدته الأشهر التي يقول فيها:
يا علم رفرف على كل السواري
أي ورب البيت ما تصبح فقيده
يا تميم المجد يا ليث الضواري
الولا باعناقنا مثل العقيده
يا تميم المجد رب البيت داري
ديرتك والشعب حبك في وريده
الولا لك يا قطر بحر وصحاري
الولا لك يا قطر عالي رصيده
علم اللي في قطرنا له مواري
أشهد إنها عن مواريكم بعيدة
.. وما من شك في أن أبيات هذه القصيدة، التي دأب شاعرها أن يلون قصائده باللون «الأدعم»، ليشكل لون العلم القطري، الشامخ بمجده في صدر السماء، أقــــول إن أبيـــات شاعرنا الوطني، فالح العجلان الهاجري، تشكل حكاية قطرية، تلهج بها الألسنة الوطنية، داخل قطر وخارجها، لأن صاحبها الشاعر، يستشعر دائماً أحداث وقضايا وطنه، ويتفاعل معها، شعراً وشعوراً.
.. وتلخص مشاعر الشاعر الفياضة في تلك القصيدة، الحالة الوطنية في زمن الحصار الجائر، حيث أداء قطر السيادي والسياسي والدبلوماسي، يشكل باعثاً على الفخر، بعد نجاح قيادتنا وشعبنا، في مواجهة الحصار بكل صلابة واقتدار، دون التنازل عن الثوابت، أو التفريط بالمبـــادئ، ودون الخضــــوع للضغــــوط، أو الخنوع لإرادة الآخرين.
.. وأستطيع القول، بعيداً عن الإثارة، أو الثرثرة، إن مشاركة قطر في «قمم مكة»، بوفدها الرسمي رفيع المستوى، أثبتت قدرة قطر على التأثير الإيجابي في محيطها المضطرب، وليس التأثر السلبي بالاضطراب المحيط حولها.
كما أظهرت مشاركة معالي الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني، في القمم التي دعت إليها السعودية، الواقعية السياسية التي تمتاز بها قطر، إنساناً وكياناً ومكاناً وكينونة.
.. ومن خلال تلك «الكينونة» يتم إدراك الوجود، وهذا ما فعلته قطر، التي حرصت على إظهار «كينونتها»، في «قمم مكة»، فأثبتت وجودها وحضورها وتحضرها، من خلال الحضور القطري رفيع المستوى، والمشاركة الإيجابية.
.. وسواء اتفقنا أم اختلفنا، شئنا أم أبينا، فإن مشاركة معالي رئيس الوزراء، في «القمم الثلاث»، التي دعت السعودية لانعقادها، شكلت أول تواصل رسمي قطري ــ سعودي، رفيع المستوى، منذ أن فرضت «المملكة»، وحلفاؤها حصارهم الجائر على قطر، بزعم دعمها ما يسمونه «الإرهاب»، دون أن يقدموا لهذه التسمية تعريفاً معروفاً، معترفاً به، في الأمم المتحدة.
.. وبطبيعة الحال، لا جدال في أن دعوتهم قطر، للمشاركة في «القمم الثلاث»، تشكل اعترافاً ضمنياً من دول الحصار الأربع، بأن الدوحة لا تدعم «الإرهاب»، وأن كل الادعاءات التي يَسوقونها، أو يُسوقونها في هذا الاتجاه باطلة، مثل بطلان الباطل عند مواجهة الحق الذي تتكشف ملامحه عند ظهور الحقيقة.
.. ولعل ما يعكس الحقيقة، أن مشاركة قطر في «قمم مكة» أعطــــت دليلاً إضــــافياً على أهمية الدور القطري في المنطقة، مهما صغر حجمها الجغرافي.
كما أكدت المشاركة القطرية في القمم التي دعت لها السعودية، حقيقة أنه لا يمكن الاستغناء عن قطر ــ حتى وهي محاصرة ــ في أية ترتيبات خليجية أو عربية أو إسلامية، خاصة أن المنطقة كلها، بكل دولها، وكامل شعوبها، تقف عند مفترق طرق، بين الدخول في مرحلة الفيــــضان، أو الخروج من حالة الفوضى.
لكن ما يثير الاشمئزاز، ويبعث على الاستفزاز، ذلك التصريح الفوضوي، الذي أطلقه وزير الخارجية السعودي إبراهيـــــم بن عبــــدالعزيـــز العـــساف، في مؤتمره الصحفي، بعـــد خــــتام القمتــــين الخليجية والعربية، رداً على سؤال، حول أبعاد مشاركة قطر في القمتين المذكورتين، على مستوى رئيس الوزراء، وهل يعد ذلك بداية لحل الأزمة الخليجية؟
فأجاب المسؤول السعودي جواباً غير مسؤول، قائلاً:
«إن موقف المملكة، وكذلك بقية الدول الأربع هو البحث عن حل لمسببات الأزمة بين هذه الدول وقطر، وسيكون هناك حل، إن شاء الله، إذا عادت قطر إلى طريق الصواب»!
.. وما من شك في أن هذا الجواب، يشكل خروجاً على الدبلوماسية الرصينة الرزينة، التي يفترض أن تلتزم بها الدولة المستضيفة للقمة، حيث وضع الوزير السعودي، في السطور الأخيرة من جوابه، «عبوة ناسفة»، لا تقل في قوتها التدميرية، عن المفخخات المتفجرة، التي تحملها «الطائرات المسيّرة»!
وخارج إطار التفخيخ أو الأفخاخ، ربما يكون «طريق الصواب»، الذي يقصده وزير خارجية السعودية، هو الطريق المتجه إلى «الريتز كارلتون» في الرياض، حيث تم احتجازه هناك على ذمة قضايا الفساد، ضمن الذين تم اعتقالهم في خريف عام 2017.
.. ولا أنسى أن «وكالة رويترز» نقلت عن مسؤول سعودي، خلال تلك الفترة، قوله: إن العساف كان «متهماً»، ولا أقول مهتماً، بالتكسب من مشروع توسعة الحرم المكي، واستغلال منصبه السابق كوزير للمالية، في شراء أراض، بعد الاطلاع على خطط التوسعة، في ذلك المشروع الحيوي!
.. ويشتهر إبراهيم العساف، الذي تولى حقيبة وزارة المالية، في بلاده طوال عشرين عاماً (1996 ـ 2016)، بأنه من المخططين الرئيسيين للسياسة المالية للسعودية، في عهد الإنفاق «الملكي» الباذخ، قبل انهيار أسعار النفط عام 2014.
.. ويبدو واضحاً أن وزير الخارجية السعودي، الذي تولى منصبه في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي، بديلاً عن عادل الجبير، الذي تم تخفيض موقعه الوزاري، يريد الايحاء في مؤتمره الصحفي الأخير، بأن قطر تسير في الطريق الخاطئ، رغم الحرص القطري على الحضور بوفد رفيع المستوى، من أجل المشاركة في «القمم الثلاث»، التي دعت إليها «المملكة».
.. ويمثل تصريح إبراهيم العساف عن «طريق الصواب»، نموذجاً فجاً من نماذج احتكار الصواب، في صورة من صور النرجسية السياسية، التي ترتكر على عقلية «إن لم تكن متفقاً مع موقفي، فأنت مخطئ، لأنني على صواب»!
.. وهذا يعني أن وزير الخارجية السعودي، الذي لم يمض على تعيينه «6» أشهر، لا يطيق استيعاب من يختلفون مع سياسات دولته، ويتباينون مع مواقفها تجاه قضايا المنطقة، مجسداً حالة من حالات المكابرة السياسية، بل التكبر على الآخر، متناسياً أن ميدان السياسة يستوعب جميع الاجتهادات والاتجاهات والتوجهات، في إطار التعددية الدبلوماسية، التي لا يملك أحدهم فيها احتكار الموقف الصائب، أو امتلاك الصواب لنفسه.
.. وما من شك في أن محاولة وزير الخارجية السعودي احتكار منافذ ومخارج «طريق الصواب»، يعني إغلاق الطرق المؤدية للحوار، وهذا يؤشر إلى ضياع الفرصة لإصلاح التصدع في كيان «مجلس التعاون» المتصدع البنيان!
.. ولا ألوم إبراهيم العساف على تصريحه غير الدبلوماسي، فهو حديث العهد بتولي حقيبة وزارة الخارجية، وهو قليل الخبرة في الشؤون الدبلوماسية، رغم السنوات الطويلة، التي قضاها في وزارة المالية.
.. وعلى أساس تجربته «غير الصائبة»، التي أوصلته إلى الاحتجاز في فندق «الريتزكارلتون»، نجده يصور اختلاف المواقف القطرية عن مواقف «مملكته»، بأنه خروج عن «طريق الصواب»!
.. وبعيداً عن تصريج إبراهيم العساف، الذي يحتاج إلى تصويب، أريد تسجيل ملاحظاتي «الطارئة»، بكل صراحة وشفافية، وبطريقة «استثنائية»، على الفقرتين الرابعة والخامسة، من بنود البيان الختامي للقمة الخليجية، حيث أشارت الفقرة «الرابعة»، إلى «قوة وتماسك ومنعة مجلس التعاون، ووحدة الصف بين أعضائه، لما يربط بينهم من علاقات خاصة، وسمات مشتركة، أساسها العقيدة الإسلامية، والتعاون العربي والمصير المشترك».. إلخ هذه العبارات الرنانة الطنانة، التي لا وجود لها على أرض الواقع!
.. والمؤسف أن هذه «الديباجة» الإنشائية، المؤدلجة والمبرمجة، لم نلمسها خلال حصار قطر، الذي سيدخل عامه الثالث بعد أيام، حيث لم نشعر بتاتاً وإطلاقاً، بما يسمى «وحدة الصف» في مجلس التعاون، المتهاون مع من يستهدفون ويهددون أمن وسلامة قطر، بعدما تم فرض الحصار علينا، في شهر رمضان عام 2017!
.. ولم نجد ما يسمونه «المصــــير المشــــــترك»، عندمـــــا فوجئـــــنا أن شركاءنا، في مجلـــس التعاون يطمعون في دولتنا، ويمنعـــون التواصل بين القطرييـــن، وأشقــــائهــــم وأقاربــــهم في السعودية والإمارات والبحرين.
أما الفقرة «الخامسة»، من البيان الختامي، فهي تشير إلى ما يسمى «الأمن الجماعي المتكامل والمتكافل، لدول مجلس التعاون، من أجل الدفاع عن كيان ومقومات ومصالح دوله وأراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية».
لكن هذا الكلام المصفوف المرصوص، لم نلمسه على أرض الواقع، عندما تم تهديد الأمن القطري، في الخامس من يونيو 2017، عبر استهداف سيادة قطر، ومحاولة انتهاك أجوائها ومياهها الإقليمية، من الشركاء في مجلس التعاون!
.. ولعل ما يثير في داخلي «ضحكاً كالبُكا»، ما ورد في هذه الفقرة، بأن «أمن دول المجلس وحدة لا تتجزأ، وأن أي اعتداء على أي دولة من الدول الأعضاء، هو اعتداء عليها جميعاً».
.. وما من شك في أن هذه «الديباجة»، المزركشة بأفخم وأفخر العبارات، كان مفروضاً أن يكون فحواها ومحتواها، ملبياً مصالح جميع دول مجلس التعاون الست، ومتفاعلاً مع كامل متطلباتهم في الأمن والاستقرار!
.. ومن بينهم «قطر الصغيرة» المحاصرة منذ عامين، المستهدفة في أمنها واستقرارها وسيادتها، من شركائها في المجلس، دون أن يبادر ذلك المجلس، بإصدار بيان واحد يدين حصار قطر، أو يطالب بإيجاد حل للأزمة الخليجية، يقوم على التكافؤ والتكامل، وليس على محاولة إلغاء السيادة القطرية.
.. ولا جدال في أن الأمن الخليجي ليس حكراً على السعودية أو الإمارات، ولكنه يشمل الجميع، وبالتالي مثلما استنفر مجلس التعاون، وشمَّر عن «عضلاتــــــه الإنشائيــــة»، وأصدر بياناً داعماً لهمـــــا في قمـــــــته الاستثــــنائية، كـــــان مفــــروضــــاً أن يعبر المجلس أيضاً، عن استنكاره للحصار الجائر المفروض على قطر، وإدانة محاولة غزوها عسكرياً، من طرف أشقائها في المجلس!
.. ولأن كظم الغيظ يعد أمراً ضرورياً للإنسان، باعتباره سبيلاً لإخماد سعير الغضب، فقد كظمت غيظي، وأخمدت غضبي، بعد انتهائي من قراءة البيان الختامي للقمة الخليجية، المكون من «9» فقرات، لم تتضمن إحداها أي إشارة إلى حصار قطر!
.. والمؤسف أن «بيانهم»، الذي تم تفصيـــله على مقاس السعـــــودية، ومصلحة الإمارات، تجــــاهــــل الأزمة الخليجية تماماً، وكأنها لا ترتبط بالأمن الخليجي، ولا تؤثر على الأمن العربي، ولا تنعكس سلبياً على شعوب المنطقة، ولهذا تعامل صانع أو «صائغ البيان» معها باعتبارها أزمة خاصة بالأسرة الفرعونية الأولى، أو الثالثة أو العشرين، التي حكمت مصر قبل الميلاد!
.. وأعتقد ــ ولعلي أكون مخطئاً ــ أن الخبراء الذين صاغوا بيان القمة الخليجية، تعمدوا تجاهل الإشارة إلى حصار قطر، باعتبار أن المحاصَرين ليسوا من أبناء مجلس التعاون، ولكنهم من بقايا شعب «الأنكا»، الذين أقاموا دولتهم في أميركا الجنوبية! هناك في بيرو، وبوليفيا والاكوادور، حيث بنوا عاصمتهم «كوزكو»، أو «كوسكو»، الواقعة في جبال «الانديز»، على ارتفاع 11000 قدم فوق مستوى سطح البحر، حتى وقعوا فريسة الغزو الإسباني عام 1532.
وأريد التأكيد، لمن صاغوا بيان القمة الخليجية، أن المحاصَرين في قطر، ينتمون إلى أمتنا العربية، ويتحدثون العربية، ولا يرطنون لغة «رونا سيمي» الخاصة بالهنود الحمر!
ولكل هذه الحيثيات، كان واجباً الإشارة في البيان الختامي للقمة الخليجية الاستثنائية إلى حصارنا في قطر، الذي تنعكس تداعياته سلبياً على الأمن الخليجي، وخصوصاً بعدما تجاوز ذلك الحصار الجائر كل الأخلاقيات الخليجية، والتقاليد العربية، والقوانين الدولية، والأعراف الإنسانية.
.. وتبقى خصلة جوهرية، طالما ميزت الشخصية القطرية، مهما تفاقمت الأزمات، أو اختلفت الأزمنة، وهي التعامل القطري الفعال مع الآخر بالأفعال، بعيداً عن الانفعال.
.. وهذا ما تعكسه المشاركة القطرية الإيجابية في قمم مكة الاستثنائية، التي عكست أيضاً إمكانيات قطر الدبلوماسية، وقدرتها على التحرك في الوقت المناسب، إلى المكان المناسب، لاتخاذ الموقف المناسب، عبر تكثيف حضورها الفاعل، ودورها المتفاعل على الساحة الدولية في جميع الجهات وكافة الاتجاهات، رغم حصارها الجائر.
.. وأستطيع القول إن حراك الدبلوماسية القطرية يشبه حركة النحلة، التي تنتقل من زهرة إلى أخرى، فيأتي عسلها بطعم الزهر كله، من خلال تبنيها استراتيجية واقعية، تنفيذاً لتوجيهات وتوجهات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، مما ساهم في إفشال محاولات دول الحصار عزل قطر سياسياً ودبلوماسياً.
.. وعلى الرغم من التحريض غير المسبوق ضد قطر، الذي اتخذ أشكالاً مختلفة، ومتخلفة سياسياً وإعلامياً ودعائياً وعدائياً، فإن الاستراتيجية التي اتبعتها دول الحصار ضد قطر، لم تنجح في تحقيق أهدافها، وفشلت في إلصاق تهمة «الإرهاب» بقطر، كما فشلت في عزل قطر إقليمياً ودولياً.
.. ولعــــــل الدعــــوة التي وجهـــها خادم الحرمين الشــــريفين إلى حضــــــرة صـــــاحب الســــمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، للمشاركة في قمم مكة الثلاث، وتكليف «صاحب السمو» معالي رئيس مجلس الوزراء بتمثيل قطر، جنباً إلى جنب مع قادة دول مجلس التعاون، وزعماء العالم العربي والإسلامي، أكبر دليل على ذلك.
.. ويكفي أن العلم القطري رفرف عالياً، خفاقاً في سماء «المملكة»، بالتزامن مع الذكرى الثانية للحصار الجائر، والأزمة الخليجية التي دخلت عامها الثالث، مما يدفعني للعودة مجدداً، إلى قصيدة صديقي فالح العجلان الهاجري، لأختم بها مقالي، حيث يقول فيها:
يا علم رفرف على كل السواري
أي ورب البيت ما تصبح فقيده
يا تميم المجد رب البيت داري
ديرتك والشعب حبك في وريده
أحمد علي

أحمد علي