كتاب وأراء

«29» مايو أيار

أدهم الشرقاوي
في مثل هذا اليوم من العام 955م توفي ابن السّمَّاك، كان فقيهاً محدثاً، قال عنه الدارقطني: كان من الثقات، وقال عنه الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتاً، وقال عنه الإمام الذهبي: صدوق في نفسه لا يُتهم ولكنه روى عن بعض من يُتهمون!
غلبَ على ابن السماك الزهد والورع، فكان يدخل على الخلفاء ولا يحابيهم، ويعظهم ويرفض أن يأخذ من دنياهم شيئاً!
دخلَ يوماً على هارون الرشيد، فلما صار بين يديه قال له الرشيد: عظني يا ابن السماك، وأوجِز!
فقال له: كفى بالقرآن واعظاً يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: «ويل للمطففين»! وهذا وعيد لمن طففَ في الكيل فما ظنك فيمن أخذه كله، فاتقِ الله في نفسك!
وقال له الرشيد مرةً، عظني، وكان في يد الرشيد شربة ماء..
فقال له ابن السماك: لو مُنع منك الماء بما كنت تفتديه لتحصل عليه؟
قال: بملكي كله!
فقال له: لو شربته وحُبس في جسمك بما كنت تفتديه لتتخلص منه؟
قال: بملكي كله!
فقال له: لا خير في مُلك لا يساوي شربة ولا بولة!
رحم الله فقهاءنا الأوائل، زهدوا في دنيا الحكام، فأورثهم الله مهابة، حتى ليدخل أحدهم على الخليفة فيأمر وينهي، ويَسمع منهم الحكام لأنهم قد علموا أنهم لا يريدون إلا وجه الله، ثم دار الزمان دورته وطُلبت الدنيا بالدين، فما عاد الحاكم يستدعي العالِم إلا ليطلب منه فتوى على هواه، لأنه علم أنَّ هذا إنما يأكل بدينه!

أدهم شرقاوي