كتاب وأراء

أسنان الطبيب «المخلعة»!

من المفارقات أن بعض الأطباء يموتون بأمراض كانوا متخصصين في علاجها، وأخفقوا في علاج أنفسهم مما يعالجونه في مرضاهم، وقد دهشت عند زيارتي لطبيب أسنان كنت قد قصدته للعلاج؛ إذ لاحظت أن أسنانه ليست صفين من اللؤلؤ الخالي من التسوس، وأن بعضها بلون داكن، وبعضاً آخر منها قد طار من مكانه تاركة خلاء واضحاً، رغم أنه أصغر سناً مني بكثير، ومع ذلك يقال: «إن باب النجار مخلع»، ولا يقال: «إن أسنان طبيب الأسنان مخلعة»، فقد استمرأنا ظلم النجارين، ولم نلمس الأطباء بأمثالنا الشهيرة المدببة والغارقة في الدهشة، والحال ذاته قد ينطبق على تخصصات أخرى عديدة.
كما أن توقعات الناس أن يكون أبناء المشاهير والنابغين والعظماء على خطى والديهم، من طيب الأخلاق أو الذكاء الفطري أو القدرة على ربط شتات الظواهر أو الأحداث.. إلخ، وهذا ليس صحيحاً بالضرورة، فنلاحظ في ظواهر الحياة وغرائبها أن بعض أبناء هذه الفئات العبقرية لم يشبوا كما سبق أن شب والداهم، و لهذا نلاحظ أن ماكينة إنتاج الأمثال الشعبية عبر التاريخ قد أنتجت مثلاً يقول: «يخلق من ظهر العالم فاسد وأحياناً العكس»، وأحياناً نضرب كفاً بكف أن تربويين- مثلاً- لم ينجبوا أبناء بسلوك ملائكي مثلهم، بل إنهم أنجبوا بنين شبه شياطين، ونستغرب: كيف شبت وانحرف الأبناء عما عرف به آباؤهم.
مثل هذه الظواهر لا تقتصر على الأفراد والمهن، ولكنها تمتد أيضاً إلى دول وأمم، فمن المعروف أن امبراطوريات عالم انصرم، كانت تنصب نفسها، باسم الديمقراطية، واعظاً لدول استعمرتها بأن تؤسس نظماً ديمقراطية على شاكلة الامبراطوريات الغربية، لتضمن الاستقرار والنماء والازدهار.
ولهذا كانت تحلم الدول والأمم الصاعدة إلى محاكاة مستعمريها بما يرفل فيه دول الاستعمار من ديمقراطية واستقرار سياسي واجتماعي واقتصادي.
الآن سنلاحظ أن امبراطوريات العالم القديم تعاني اليوم ارتباكات واحتجاجات ساخنة تروع الاستقرار، وتشيع طقساً فيها لاهباً، كما لو أن هذه الامبراطوريات التي كانت توصف بأنها لا تغرب شمسها تصاب ببعض ما كان تعانيه مستعمراتها من مشاكل في الهوية والاقتصاد وغيرهما من الأحوال.
من ثم يمكن القول إن توريث ثبات الأحوال من المحال، وإن «الكروزمات» الحاملة للصفات لا تنتقل ميكانيكياً وبالضرورة من الآباء إلى الأبناء، أو من عصر إلى عصر تالٍ.
وفي عالم بهذه الخصال علينا ألا نصب الآخرين من حولنا في قوالب جامدة، فنراهم بوجه واحد لا يتغير، ونتعامل معهم بطريقة نمطية يسقط من حسابها احتمالات التبدل، بل يتعين علينا أن نتوقع مالاً يتوقع حدوثه، فدنيانا التي نطل عليها من نوافذنا تحير حتى الفلاسفة الذين يفترض أنهم يتبرعون بالإجابة عن أسئلة لم يتوصل العلم بعد لإجابة شافية عنها.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي