كتاب وأراء

درامَا وبرامِج تعكِس أخلاقِيَّات الشوارِع المُظلمَة «1 - 2»

ريشة حبر
خولة مرتضوي
شخصيًا لست من المتابعين لماراثون المسلسلات والبرامج الرمضانية، لكني من المهتمين بها، وأقصد بالاهتمام هو رغبتي في معرفة ما يتمّ تناوله من مضامين في هذا الشهر الذي يُعتَبَر الشهر المفضّل للمنتجين والمخرجين لتقديم أعمالهم الفنية والدرامية والبرامجيَّة المختلفة وتسويقها على قنواتنا، وذلك لتحقيق مآربهم البعيدة كُليًا عن ترسيخ القيم الهادفة، التي تتمحور في البيع والتسلية الغارقة وغيرها من المقاصد الترويجية والتغييبية لأمة كُبرى يسهل سرقتها إعلاميًا وتنويمها في الإغراق عبر وسائل الإعلام الكلاسيكية والجديدة.
إنَّ أبرز ما يتكرر عامًا بعد عام خاصةً في موسم رمضان؛ هو تلك المضامين التي تتعرض لدعاتنا بشيءٍ واضحٍ أو مبطن؛ من الاستهزاءِ والسخرية، فالجمهور المسلم يتعرَّضُ كل يوم لأشكالٍ متنوعة من هذا التنكيل المعنوي «وهو لا يدري» في المسلسلات والمسرحيات والقفزات السريعة في البرامج الحوارية، التي تنالُ في مقصدها من صورة المسلم الملتزم والمتدين، فالجمهور عادةً لا يدري من أيٍ منهُ يستهزئ هذا أو ذاك، السواد الأعمّ يضحك «فحسب»، وهو لا يدري أنَّهُ يضحك على نفسه ملءَ فمِهِ بكُلِ أسف!
إنَّ أكوام المواد الإعلامية التي أحاطتنا عبر سنوات تشكيلنا الأول حتى الآن؛ شكلت صورة معينة للمتدين والداعية، فمنذُ زمنٍ بعيد يتم الاستهزاء بنا وبدعاتنا من حيث ندري ولا ندري، فتقبَّلنا تدريجيًا مع الأيام؛ أن نستسيغَ مشهدًا للممثل «س» يُقلد فيه «المطوع» أو المأذون «ص» على سبيل المثال، فتجدهُ يُظهره على أنَّهُ رجلُ شهواني أو ساذج غير متحضر أو أحمق، إلى غير ذلك من الأمثلة والشواهد.
قارئي العزيز، إنَّ عروجًا سريعًا على نمط البرامج التي تروجها الفضائيات العربية مؤخرًا يؤكد لنا أنَّ صُناع ومنتجي البرامج الخلاقة مالوا إلى الكسل وباتوا يكررون أنفسهم مراتٍ كثيرة، حيث تجد أنهم يأخذون عددًا من الأفكار التي قُدِّمت في برامج التليفزيونات الأميركية والبريطانية وغيرها ويقومون بتوليفها للعرض في نسخها العربيَّة ما يجعل سقف الإبداع والتميز ينهار على أصحابه كل مرة. إنَّ هناك عشرات الدراسات وأوراق العمل والأبحاث، ومئات المقالات والتحقيقات الصحفية، التي ناقشت آثار ظاهرة الدراما والبرامج الهابطة في الفضاء العربي، وهناك ما يُشبه الإجماع بأنَّ المُحصِلة في الجانب الأخلاقي والقيمي هي نتيجة سلبية وخطيرة تتمثل في خلخلة فكر المجتمعات وقيمها ونسيجها المترابط، وإعاقة حركة نهوضها وتقدمها وتنميتها البشرية، بالإضافة إلى تقليل قدرة الإنسان على أن يبذل جهدًا عقليًا منظمًا لتطوير نفسه وبناء ذاته، وتطوير مجتمعه، واستنزاف أوقات الشباب وطاقاتهم، وإلهائهم عن حياتهم، وإغراقهم فيما لا يعود عليهم بالفائدة، ناهيكَ عن استغلال الموارد المالية للمشاهدين، واستنزاف قدراتهم المادية، بأساليب متعددة ومتنوعة، بالإضافة إلى تحويل الشباب العربي إلى مستهلكين شديدي الولاء للجوانب السلبية في الثقافات الأجنبية، فلا يتم تسويق قيم العمل وأخلاقه، ولا البحث العلمي وأدواته، ولا الالتزام المجتمعي ومؤسساته، ولا الحِراك الحضاري وآلياته، وإنما يقوم الإعلام السلبي بتسويق أخلاقيات الشوارع المظلمة، والطبقات السُفلى من الثقافات الأجنبية، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير وتبديل وقلب للمفاهيم وتزييفها أمام المشاهدين.
{ إعلامية وباحثة أكاديمية
- جامعة قطر

خولة مرتضوي