كتاب وأراء

كوبري وفاتورة وتاب! «1»

كلما ساد الظن أن النظام الحالي في مصر قد وصل إلى الحد الأقصى من سوء الإدارة وأنه لم يعد هناك جديد يمكنه إضافته لسجله الحافل بالكوارث والفشل المتعمد المتعدد الأوجه في شتى المجالات، وعلى رأسها ملف الاقتصاد وتوابعه، يفاجئنا نظام السيسي بإجراءات وقرارات جديدة تنقل مصر من سيئ لأسوأ بوتيرة لم يتوقعها أكثر المحللين والخبراء تشاؤمًا.
فما جاء الانقلاب واستيلاء العسكر على الحكم من جديد بعد تصفية ثورة يناير إلا بالمال السياسي بفاتورة ضخمة من العيار الثقيل وتخطى كافة الخطوط الحمراء من حيث سيطرة المؤسسة العسكرية وتوابعها على كافة مفاصل ومقدرات الدولة المصرية للدفع لاستمرارية النظام حتى لو جاء هذا على حساب مصر بأكملها بشعبها، مقدراتها، خيراتها، حاضرها ومستقبلها، فليذهب كل هذا إلى الجحيم، المهم بقاء الجنرال عبدالفتاح السيسي وعصبته ليتمكنوا من ضمان سداد تلك الفواتير المتراكمة من الأنظمة العسكرية السابقة، وما أضيف عليها أثناء التحضير لانقلاب 3 يوليو 2013 وما بعده وحتى اليوم ويبدو أن هذا السيل المتواصل من الديون والقروض سيستمر في الازدياد، وتؤكد طبيعة النظام الحالي من حيث غياب الشفافية واحتكار المنظومة الحاكمة لمصادر المعلومات والأرقام في ما يخص الموازنة العامة الدولة أن الأرقام الحقيقية لتلك الديون والقروض وفوائدها وطرق سدادها أكبر من الأرقام المعلنة وأن هذا التوجه لن يتوقف في وقت قريب، فمع الوضع الحالي لا يوجد أمام السيسي إلا الاقتراض من جديد ليقوم بسداد وتغطية القروض السابقة والفوائد المترتبة عليها.
لإدراك حجم الكارثة الاقتصادية يكفي أن نعلم تضاعف إجمالي الدين العام في مصر بشقيه الداخلي والخارجي بعد الانقلاب العسكري، محليًا تضاعف الدين الداخلي قرابة 3 أضعاف خلال أقل من 6 سنوات، حيث ارتفع من 1.527 تريليون جنيه في عهد الرئيس محمد مرسي إلى 4.108 تريليون جنيه حتى ديسمبر 2018، وخارجيًا من 43.2 مليار دولار في عهد الرئيس محمد مرسي إلى 96.612 مليار دولار حتى التاريخ ذاته، أي أكثر من الضعف بكثير، وبجمع تلك الأرقام وتحويلها للدولار الأميركي يكون قد ارتفع الدين العام المصري من 128 مليار دولار إبان الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013 إلى 338 مليار دولار في ديسمبر 2018، مما يعني أن المحصلة هي تضاعف الدين العام أكثر من ضعفين ونصف خلال أقل من 6 سنوات من حكم الجنرال السيسي وتلك الأرقام واردة في بيان رسمي صادر عن البنك المركزي المصري يوم الثلاثاء 21 مايو 2019، مع الوضع في الحسبان أن تلك الأرقام حتى ديسمبر 2018 أي لا تدخل فيها ما اقترضه النظام العسكري خلال الأشهر الخمسة من عام 2019 ومنها على سبيل المثال لا الحصر قروض جديدة من الصين والكويت وألمانيا.
أيضًا يجب عدم إغفال انخفاض قيمة العملة المحلية أمام العملات العالمية، حيث كان سعر صرف الدولار منتصف 2013 حوالي 6 جنيهات ليصل إلى أكثر من 17 جنيهًا مايو الحالي، وهو ما يعني أن الديون تزداد بمعدلين في وقت واحد من حيث انخفاض قيمة العملة المحلية وفي نفس الوقت استمرار التضخم وارتفاع وتيرة الاقتراض، ويأتي هذا في ظل عدم وجود مشاريع تنموية حقيقية أو بوادر تشير إلى إمكانية تحسن الوضع الاقتصادي والمعيشي لقطاعات واسعة من الشعب المصري التي تنتظرها زيادات جديدة في الأسعار والضرائب وخفض الدعم بعد موافقة صندوق النقد الدولي يوم الجمعة الماضي على تسليم مصر الشريحة الأخيرة والبالغة ملياري دولار من قرض قيمته 12 مليار دولار تم توقيعه في 2016 مقابل تعهد الحكومة المصرية بخفض جديد لقيمة العملة المحلية وإجراء تقليصات كبيرة على دعم الطاقة وتطبيق ضرائب جديدة، بينما تشهد معاشات العسكريين زيادات مستمرة أحدثها زيادة بمقدار 15 % اعتبارًا من 1 يوليو القادم وهي العاشرة منذ الانقلاب العسكري بمعدل زيادة جديدة كل 6 أشهر تقريبًا، وكأن النظام العسكري يمد المنتسبين إليه بالموارد المالية اللازمة لتواكب الارتفاع المستمر للأسعار وسبل المعيشة حتى لا يشعروا بالفارق الذي تعاني منه الطبقات الأخرى من الشعب المصري نتيجة السياسات والقرارات الجائرة التي يتخذها نظام السيسي باستمرار ومع سبق الإصرار.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري