كتاب وأراء

المناظير الثمانية ورحلة د. جاسم سلطان

في كتيب أصدره مركز الوجدان الحضاري في قطر، طرح د. جاسم سلطان وفريقه، ثمانية مناظير لتحقيق انتقال قيمي للمجتمع، الإصدار قليل الصفحات غزير المعنى، صدر باسم المناظير الثمانية لقيم المجتمع، وهو يسعى لإنتاج جسر حضاري يُعيد تأسيس قيم الحياة المعاصرة، على الفضائل القيمية للمعرفة الإنسانية، وخلاصاتها الفكرية في صناعة مجتمع الأخلاق والعدالة.
المركز اعتنى في توجيهه بالإنسان القطري، الذي انفجرت أمامه أسئلة المعرفة والهوية بصورة جديدة، بعد رسائل الأزمة الخليجية التي عصرت الوجدان، وحيّرت العقل في الشارع الخليجي العربي.
وحسب ما فهمت أن د. جاسم، يُخصص جزءا كبيرا من مهمته الثقافية اليوم، لتكريس هذه القيم، عبر الورش أو الاستشارات المتتالية، ضمن مهام عمله كمستشار لوزير الرياضة والثقافة القطري، د.صلاح العلي.
وفي معرض الكتاب الأخير، لاحظت أن البرومو الذي نشرته الوزارة، صدّر حضور الأمير سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لتفقد فعاليات معرض الكتاب، باستقبال الوزير الذي قدم له مباشرة د. جاسم، وهي رسالة مهمة لوضع المفكر القطري، كواجهة قيمية ارشادية، لصناعة المستقبل الجديد، نأمل أن تتعزز في القرار الوطني.
كما أن هذه الخطوة تُعطي دعماً كبيراً مستحقاً للدكتور جاسم، بعد ما تعرض له من حملات في أعوام سابقة، حيث استهدفته دول المحور الخليجي ذاتها في 2014، بحكم أن د. جاسم يقدم فلسفة أخلاقية لصناعة التغيير الثقافي، الذي يعزز قيم العدل والقسط في ثقافة الشعوب.
رغم أن أبو محمد كما يعرفه الجميع، من أشد المتمسكين بمركزية السلام الاجتماعي، والتدافع القانوني والأخلاقي، وأبعد ما يكون عن ثقافة العنف والفوضى، ولكن تقاطع حلم الحرية والمساواة في الربيع العربي، مع طرح د. جاسم حوّل الأمر إلى ملف خصومة مع دول المحور.
أما الاستهداف الثاني للدكتور جاسم، فهو من طرف التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، سعى لإسقاط شخصه وفكرة التجديد القيمي التي تبناها الدكتور جاسم، في نقد منظومة الفكرة الحزبية الدينية، ليس بالمطلق، وإنما من خلال إعاقتها لفكرة النهضة الأساسية، وأعتقد أن التجربة المتتالية تؤكد على عمق هذه الأزمة عند الإخوان، وهي أزمة لا تُلغي مظالم المضطهدين منهم، ولا تُحمّلهم إثم أنظمة الاستبداد التي طاردتهم، لكن في ذات الوقت، هي حالة معقدة متمكنة من المجموعات المتنفذة بينهم.
وحين نقول الاخوان المسلمين، فلا نقصد كل المنتسبين للفكر، ولا نعمم على الأجيال الشبابية، وإنما لو جاز لنا تقسيم تيارات الاخوان تقسيما يحدد المجموعة المسؤولة عن الخطايا، سيتضح لنا أنها في قيادات وكوادر حزبية متنفذة، ذات مصالح نفعية حادة متبادلة، لا تقبل بأي نقد أو تداول حقيقي، لقيادة الحركة أو مشروعها الفكري أو السياسي.
أما الثاني فهم المتأثرون بثقافة تقليد جامدة، على أسس الاخوان التربوية، التي يرون من خلالها كل جوانب الحياة، دون فقه فكري ولا وعي سياسي، ولكنهم مجموعات مخلصة في الغالب، تُدفع لمواجهة المبدعين والنهضويين، من خلال المجموعة الأولى.
أما المساحة الثالثة وهي الاوسع في تقديري كمستقبل للشباب الإسلامي، فهم الشباب المتطلعون للتصحيح وتنمية أوطانهم ونهضتها، والذين أدركوا ان لا سبيل لذلك دون نقد منهجي لذات الفكر الإسلامي المعاصر، الذي ساهم الاخوان في خلله، وإن بقي لهم جهدهم وشراكتهم الإيجابية، فهذه الحشود الشبابية، هي من يهتم بأطروحات د. جاسم وغيره، من مفكري النهضة، ويتوسع فيهم الاقبال على ضرورة وعي الخطاب الجديد، الذي يُمثل بيضة القبان لإنقاذ الشعوب من التخلف وبأس الاستبداد.
وهنا يبرز لنا أهمية الولوج لهذه الأساسيات التي تناولها د. جاسم، وحاجة كل المجتمع العربي لها، ولا يترتب على ذلك اعتبار مسار د. جاسم مسارا أحاديا ملزما، لا يقتضي التوسع مع الاطروحات النهضوية المختلفة، فهذه إحدى صور الأزمة في العقل العربي المعاصر، بدلاً من اعتبار الفكرة النهضوية ذات مسارات تعددية مهمة، تحتاجها جميعاً عملية بناء الإنسان والأوطان في رحلة الكرامة العربية.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل