كتاب وأراء

أميركا وإيران .. تصعيد مدفوع الثمن ! « 1»

في العلاقات الدولية لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليها حالة العداء المستمر الكامل أو الحلف الأبدي الخالص، بل توجد مصالح مشتركة متداخلة ومنفعة متبادلة وطبقًا لتلك المصالح تبني الدول والكيانات علاقاتها مع بعضها البعض، تتغير المعسكرات وتتبدل التحالفات،
الفيصل هو حسابات الربح والخسارة ولن تتغير تلك المعادلة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وهذه الحسابات هي أهم قواعد اللعبة السياسية التي يتفق عليها الجميع بلا استثناء، ونفس تلك القواعد لا تمنع أن يتفق خصمان متنافسان أو أكثر في ملف هنا ويختلفان في ملف هناك، والأخيرة هي الحالة العامة التي تطغى على العلاقات بشتى صنوفها بين القوى العالمية الكبرى في عالمنا الحالي، وتنطبق القواعد نفسها على العلاقات بين القوى الكبرى والإقليمية في مختلف مناطق العالم، وقد يجتمع في خندق واحد اليوم من كانوا خصومًا في ساحات الحرب بالأمس بطريق مباشر أو غير مباشر، والأمثلة على هذا لا حصر لها في التاريخ قديمه وحديثه ومنها مشاركة أميركا وإيران في القتال جنبًا إلى جنب ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا منذ 2014 والتعاون الاستخباراتي بينهما في بعض الأحيان.
كلما ظهرت بوادر أزمة أو تصعيد جديد بين أميركا وإيران تتضارب الآراء والتحليلات ولكنها تنحصر بين احتمالين لا ثالث لهما بين النخب والقواعد على حد سواء، الأول يذهب بأن ما يحدث بين الطرفين الأميركي والإيراني لا يعدو كونه فصلا جديدا في مسلسل متفق عليه مسبقًا بين المعسكرين ينتهجان خلاله خطابا عدائيا وربما يذهب حد التلويح بالحرب وتراشق إعلامي متبادل متخم بالعبارات الملتهبة من عينة محور الشر والشيطان الأكبر ويتزامن مع حشد عسكري تختلف أدواته ووسائله كل مرة ويصعد حتى الذروة التي تجعل المتابع يتخيل أن البارجات الأميركية قد أوشكت على قصف إيران، وأن إيران على وشك توجيه ضربات للأهداف الأميركية مباشرةً عبر قواتها المسلحة المتعددة التشكيلات أو عبر الأحزاب والحركات المرتبطة بها في المنطقة العربية والتي يمتلك الكثير منها أذرع وتشكيلات عسكرية متفاوتة القدرات والأعداد والتسليح وتتمركز بعضها على مقربة من أهداف أميركية على الأرض كما هو الحال في العراق وسوريا أو أهداف بحرية كما هو الحال في اليمن أو استهداف حلفائها في السعودية والكيان الصهيوني، والثاني أن الطرفين في حالة عداوة وخصومة حقيقية ويقوم فيها الطرف الأميركي بالتنسيق مع الكيان الصهيوني والقوى العربية التي تجمعها علاقات متوترة مع إيران تختلف أسبابها ودوافعها بين دولة وأخرى ويعمل الجميع في هذا الحلف على محاولة احتواء إيران وتقليص نفوذها والحد من أحلامها النووية والتوسعية عبر التمدد وتصدير ثورتها لدول المنطقة وأيضًا امتداداتها في دول عربية عدة في ما يطلق عليه البعض المحور الشيعي في العراق وسوريا ولبنان وجماعة الحوثي في اليمن وأخرى داخل أفغانستان، بل حتى علاقتها ودعمها لحركات مقاومة مسلحة سنية داخل فلسطين المحتلة وهنا يجمعها هدف سياسي وورقة ضغط تستغلها إيران جيدًا رغم اختلاف الأيديولوجية، وتقبل تلك الحركات هذا الدعم الإيراني لتخاذل غالبية الدول العربية عن نصرتها بل ذهاب بعضها للتواطؤ مع المحتل الصهيوني ضدها.
لكن تبقى العلاقات الأميركية-الإيرانية في غاية التعقيد والتشابك مما يجعل أنصار كل نظرية -العداء الحقيقي والعداء المتفق عليه- يمتلك العديد من الحوادث والأسباب التي تعضد وجهة نظره، لكن الحقيقة هي أن العلاقات الأميركية-الإيرانية خليط من هذا وذاك، فالعداء الأميركي-الإيراني مفيد للطرفين وفي كلتا الحالتين -حقيقي أو مصطنع- وإن كانت الاستفادة الأميركية أكبر بكثير في الوقت الحالي وعلى المدى المتوسط، تستغل أميركا هذا العداء في استمرارية تواجدها في منطقة الخليج المدفوع الأجر بحجة حماية دوله من الخطر الإيراني وأيضًا عقد المزيد من صفقات التسليح بعشرات المليارات وتأمين تدفق النفط لأراضيها وبقاء قواعد عسكرية ذات أهمية استراتيجية قصوى لتأمين مصالحها المتعددة في آسيا والمحيط الهندي والقرن الإفريقي وغيرها، وتستغل إيران هذا العداء في تصدير نفسها كدولة لها مشروع مقاوم للهيمنة الأميركية وحليفها الصهيوني المدلل وتتمدد تحت هذا الغطاء في المنطقة حتى أصبح لها نفوذ واسع لا يمكن إنكاره في العراق واليمن وسوريا ولبنان.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري