كتاب وأراء

مُمْكِن يُغْرِي باصطياد فَراشِه !

بقلم
سعاد درير
كاتبة مغربية

تَحلم بباقات الورد، تُغمِض عينيك لتستحم تحت شلال الحُلم، تركض خلف أسراب الغيوم الْمُغَذِّية لإحساسك بالقبض على الماء، وتُمَنِّي نفسك بأن يَبسم لك مُحَيَّا سماء جديرة بأن تمطرك مطرَ الوصال..
فما يَنقصك يا صديقي؟!
لا شيء يا صديقي ينقصك غير مقصّ التجربة الأمّار بأن يُفصّل ثوب الحياة على مقاس اشتهاءاتك تلك التي لا تنطفئ شمس قنديلها الواعدة بالسباحة في محيطات أَبْعَد ما تَكون عن منتصَف ليلة حُلم..
إنها مطرقة التجربة، وبدونها لا مجال لتقويم خُطى متعَبة مُعَلَّقة على طريق حياةٍ لن تستقيم لكَ ما لم تُجِدْ ترتيب موعد لخط اتجاه المطرقة في توافق تامّ مع منحى السندان..
تجارب الإنسان على مَرّ السنين لا تخرج عن كنز دفين، كنز هي لا يُثمِّنه حقّ التثمين سِوى هذا الإنسان المسكين الذي خَبَرَ الْمُرّ قبل أن تتمدد أصابعه لتَلعق شيئا مِن حُلْوٍ قلّما يَأتي به قطارُ الممكِن..
نَطير إلى اليونان على ظهر مظلة طائرة تَحمل اسم زوربا Zorba.. وما «زوربا» سوى رواية تُعدّ رائعة مِن روائع ما كتبَه صاحبها بعبقرية لا يُشَكِّك فيها اثنان، كيف لا وقد تحولَّت الرواية تلك إلى شريط سينمائي حصد مِن الشهرة لكاتبِ فكرته ما لم يحصده غيره مِن الكُتّاب في زمنه..
وأنتَ تقترِب مِن عوالم زوربا الداخلية لا شكّ في أنك ستنجذب إلى نوافذ كتب أخرى خالدة لكاتب يَطيب لك أن تطلع على عينة مِن عناوينه الأخرى تلك التي ستُتْحِفُك مِن توقيع الكاتب الْمُلْهَم ذاته الذي ستُهَنِّئ نفسك على أنك استلقيتَ على أريكة بطله «زوربا»:
- «النفوس المحطّمة»..
- «المسيح الذي أُعيدَ صلبه»..
- «الحرية أو الموت»..
- «التجربة الأخيرة»..
هذه وغيرها عناوين لكاتبنا نيكوس كازانتزاكيس Níkos Kazantzákis، هي عناوين متمردة، عناوين هي لا تُخفي الرغبة في سباق العناد والتحدي، كأنها تسرّ إلينا ببطولات لن ينكشف أمرها حتى حين..
لكننا لا ندري على وجه اليقين إن كانت هذه البطولات تُسابق ظلّ الواقع، أم أنها تنكمش تحت مظلة الخيال، لِنَقُلْ إنه الخيال الحائر أين يَضع نفسه بين كَفَّتَيْ ميزانٍ يَعِدُ بالحُلم وبالْمِثل يَعِدُ بالوهم..
بين ما جَناه نيكوس كازانتزاكيس مِن عِنَب فريدريتش نيتشه، وما قلَّمه مِن سنابل حقل شيخه بيرغسون تلك التي الْتَقَطَتْها عصافير مخيِّلة نيكوس كازانتزاكيس النشيطة، وَجَدَ مُرَبِّي «زوربا» مرعى خصبا تَرعى فيه قطعان أفكاره..
إنها بَوْصَلَة أفكاره هو العبقري نيكوس كازانتزاكيس التي وجَّهَتْ حذاءَ أصابعه إلى قِبلة جائزة الأوسكار لولا أن انتشلها منه في آخِر محطة زميلُه ألبير كامو..
ورغم أن أهمّ روايات نيكوس كازانتزاكيس عرفت طريقها إلى أضواء السينما، فإن ما حظيت به «زوربا» مِن وهجٍ جعل عيون العقل تُصَفِّق لصاحبها، ربما لِمَا مهَّدْنا به لهذا المقال بشأن سطوة التجربة التي تُعَلِّم الإنسان ما لا يَجده عند طراز مِن المثقفين العاكفين على الانبطاح على أسِرَّة كُتبهم في منأى عن مصارعة حُرّة على حلبة الواقع..
عند هذا الواقع المشتعل اشتعال النار في الهشيم يُجَرِّب نيكوس كازانتزاكيس أن يَقِفَ ببطله زوربا، وما زوربا هذا غير رَجُل أُمّي نال مِن مدارس الحياة ما لم يَنَلْه طالِبُ كِتَاب..
رواية زوربا هذه ثِقْ يا صديقي بأنها وَلاَّدة للمفارقات ومفجِّرة للتناقضات، يكفي، يكفي أنها تجمع برباط المحبة الذي يُشكل دعامة الصداقة المتينة بين شخصيتين لا يَجمعهما قاسم مشتَرك كما يرى الناظر بغير عين التأمل..
قد يَكون التسرع أحيانا باعثا على الحكم أحكاما جاهزة، لكن رواية زوربا تَحتاج إلى شيء من التأمل في قراءتك الأبعد مِن أن تَكون سطحية..
قد نتحدث عن الدرجة الصفر للمسافة بين زوربا المبحِر في تجارب الواقع وصديقه المثقف الذي لا يَتَسَلَّح بخبرة غير تلك التي تُملِيها الكتُب.. لكن في الوقت نفسه، فإن الرسالة التي يُمَرِّرُها نيكوس كازانتزاكيس هي أن الإنسان مَهما بلغ مِن ثقافة الكُتُب فإنه يبقى دائما في حاجة إلى إبرةِ وخيطِ التجربة تلك التي عليها يتوقف انتصاب شِراع الحياة حتى تَمضي سَفينة البَشَر بِسَلام..
البحث المضني عما يُساعِد على الحفر في الأرض على حدّ سرد الرواية إنما يَعكس حقيقة رحلة الشقاء التي تنتظر الإنسان، مع أنها قد لا تَعود عليه بغير العبث..
لكن ماذا يقول نيكوس كازانتزاكيس في هذا؟!
مِن المؤكد أنه يُجيبنا على لسان بطله زوربا، فمَهما أَشْقَتْهُ الحياة وأَتْعَبَتْه فإنه لا يَسمح للفَرَح بألاَّ يُلَوِّن حياته ويُحَلِّيَ أوقاته ويُطربه بدقات طبول الآتي مِن خيل الأيام التي علينا ألا ننسى أن نفتح لها أحضاننا كي تُرَبِّيَ فينا الاستعداد لمواسم فَرَح ما عادت مؤجَّلة..
زوربا نراه يفتح ذراعيه لِحُبّ الحياة حتى في أكثر محطات رحلة الحياة التي قد لا تُشَجِّع الآخَرين على الصمود والمكابَرة والعناد، بدليل أنه حتى بعد أن أثبَتَ خيبته في إدارة أعمال صديقه المثقف فإنه لم يَترك لحظة لتمرّ دون أن يُصيِّرَها مدرسة لتلقين فنّ الحياة..
إنه الإنسان الأقرب إلى رَجُل بِدائي تَقوده غرائزه المتوحشة، لكنه لا يَندم على ما فات، هو يَسعد بكل ما يأتي، ومن ثمة يَبني أبراج الحظ بِدَأْبِه على مُجاراة المستحيل ليَصِير مُمْكِنا يُغْرِيه باصطياد فَراشِه..
عُمق تحليل نيكوس كازانتزاكيس لشخصية زوربا يَجعلك مُعْجَبا بأدَقّ التفاصيل التي يَرسمها لبطله وكأنه شخص غير بعيد عنه، وكأنه مِن أكثر الْمُقَرَّبين مُلازَمةً له، وكأنه هو..
فكيف لشخص عارِف مثل نيكوس كازانتزاكيس أن يَنتشل شخصية مثل زوربا مِن قلبِ واقعٍ يَغلي غليانا بالأُمّية والجهل وروح المغامرة والمخاطرة واستعراض عضلات التجربة؟!
طبعا، فهنا تَكمن حكمة نيكوس كازانتزاكيس، إنه هذا الكاتب الفَذّ الذي لم يَسْتَعْصِ عليه اعتصار الحكمة ولا انتشال النماذج التي يُلْبِسُها القمصان التي تَفرضها فلسفته في الحياة..
مِن المؤسف أن نقول إن نيكوس كازانتزاكيس قد مات، والْمُحْزِن أنه مات بعد مكابَدة ومعاناة مع سرطان الدم، وكأن كُلّ العباقرة موعودون بنهاية تَبْعَث على الرثاء..
أيّا كانت النهايات، يَقول لك صاحبُ «زوربا»: عِشْ حياتَك كما يَنبغي.. أَحِبّ الحياة.. وتَفَنَّنْ في عيش الحياة..
فهل يَكفي يا صديقي أن تُحِبّ الحياةَ لِتُحِبّكَ؟!
نَعيش وفي نفوسنا شيء مِن «لكن»، وكأننا حالفون ألاّ نَمْضي دون أن نَفهم الحياة، كُلَّ الحياة، لذلك لا يَنالنا غير التعب والشقاء وكأننا في صراع مع طواحين قَدَرٍ لا يَجُودُ بغير اللوز الْمُرّ..
فهل حقّا سنَرحم نُفوسَنا غير الْمُطْمَئِنَّة مِن عَناء ومشقّات الطريق إلى الحقيقة لو أننا خَفَّفْنا مِنْ تَلَهُّفِنا على فهم الحياة؟!
سَلُوا نيكوس كازانتزاكيس..

سعاد درير