كتاب وأراء

يحلبها قافية قافية

بقلم
د . سعاد درير
كاتبة مغربية

حُقَّ لـ«مي زيادة» أن تُعجَبَ حتى سقف الهوى برجُل لَم تَرَه، رجُل بادلها الحظَّ في أن تُصافح روحُها روحَه، مهما تناءى الجسد عن الجسد، ومهما خَبَتْ ذُبالةُ رغبتها في أن يُصافحَها بِيَد..
صديقي يا صديقي.. مِن أين لي أن أبدأ، وكلما اجتررتُ حرفين أراني أغرق، أغرق حتى الثمالة، حتى الثمالة ولا كأس غير نبيذ الأبجدية، ولمطر الشِّعر سلطان؟!
سَمِّه ابنَ الريح، أو ابن الغيم، شبيهك إن لم يَكن شبيهي في مرآة الروح، عُود البنفسج أو فَوْح الياسمين الراسخ نَدى وريقاته في شِفاه تتسلقها حُمَّاه لِتُلبِسَها حُلْمَ الألوان الأشدّ وطأة مِن دَم الغزال..
«فإن لقيت محبا هائما كلفا
في جوعه شبع في ورده الصدر
والناس قالوا هو المجنون ماذا عسى
يبغى من الحب أو يرجو فيصطبر؟
أفي هوى تلك يستدمي محاجره
وليس في تلك ما يحلو ويعتبر!»
(جبران خليل جبران).
مِن هنالك، مِن أقصى الجبال الفيحاء، تلك التي تمرح فيها وتصدح الغزلان والظِّباء، يَرتحِل صوت جبران خليل جبران ليغرد ويشدو كما يليق بمواكب العنادل.. أليس هو القائل:
«وما السعادة في الدنيا سوى شبح
يرجى فإن صار جسما مله البشر
لم يسعد الناس إلا في تشوقهم
إلى المنيع فإن صاروا به فتروا
فان لقيت سعيدا وهو منصرف
عن المنيع فقل في خلقه العبر
(جبران خليل جبران).
جبران خليل جبران هو هذا الرومانسي الحالم، هو هذا الهارب بورود شوقه مِن مدرسة الإحساس، إلى رُبَى الحُبّ وبساتين الشعور، تلك التي تَصنع بك ما لا تَصنعه الخمور..
وقل في الأرض من يرضى الحياة كما
تأتيه عفوا ولم يحكم به الضجر
لذاك قد حولوا نهر الحياة إلى
أكواب وهم إذا طافوا بها خدروا
فالناس إن شربوا سروا كأنهم
رهن الهوى وعلى التخدير قد فطروا
فذا يعربد إن صلى وذاك إذا
أثرى وذلك بالأحلام يختمر
فالأرض خمارة والدهر صاحبها
وليس يرضى بها غير الألى سكروا
(جبران خليل جبران).
هذا الطائر المهاجر جبران خليل جبران أتاحت له رؤيته الشعرية المرهفة وقوة قلمه أن يؤسس مع مجموعة من الكُتّاب المهاجرين رابطةَ القلم المسمَّاة باسم «شعراء المهجر» آنذاك..
فهل كان الزمن له منصفا وعادلا حين ارتأى له حياة شعرية وأدبية بعيدا عن السرب؟!
إن عدل الناس ثلج
إن رأته الشمس ذاب
(جبران خليل جبران).
إذا نظرنا إلى أصحاب هذه الرابطة سنَجِد لجبران خليل جبران زملاء في الإحساس وفي الأنفاس الشعرية تلك التي لا يخطئها الذوق، يكفي أن نُذَكِّرَ هنا بِعَمودَي نورِ رصيف رابطة القلم ألا وهما ميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي ذاك الذي نصبنا له سابقا خيمة شعرية مشرعة على ما بين حرفين..
وكم على الأرض من نبت بلا أرج
وكم علا الأفق غيم ما به مط
(جبران خليل جبران).
شاعرنا جبران هذا الذي حكم عليه الزمن بالفقر في صِباه، اختبرته المحن بما يُغني عن الأمل، ولهذا لم يَكن غريبا أن يتعود، هو المسكين الذي خبرَ سياطَ الغربة، على أن يَجلده ذيلُ الحياة الأمرّ قسوة بنهاية يَكتُب السّلّ كلمتَها الأخيرة..
«والموت في الأرض لابن الأرض خاتمة
وللأثيري فهو البدء والظفر
فمن يعانق في أحلامه سحرا
سيبقى ومن نام كل الليل يندثر»
(جبران خليل جبران).
غير أنه بعيدا عن كل هذه الآلام المتدفقة أنهارها، جرّب الشاعر جبران خليل جبران أن يُصَيِّرَ الحزنَ ريشةً يرسم بها لوحةً رقيقة لِعُشاق الطبيعة وألوان قوس قزح تلك التي تَفضح العيون العاشقة..
واللطف في الناس أصداف وإن نعمت
أضلاعها لم تكن في جوفها الدرر
فمن خبيث له نفسان: واحدة
من العجين وأخرى دونها الحجر
واللطف للنذل درع يستجير به
إن راعه وجل أو هاله الخطر
(جبران خليل جبران).
بين العين الفنية والعين الخبيرة بالجمال، كان إحساس جبران خليل جبران ينثال، وكانت شاعريته تنمو وتتمدد، ولا غرابة أن تهيم هنا العيون الذواقة للفن والمتعطشة للحُسن في سحر لوحاته الفنية تلك التي اعتصر فيها رمانة إحساسه المشتهاة على موائد الفن والأدب..
والعلم في الناس سبل بان أولها
أما أواخرها فالدهر والقدر
وأفضل العلم حلم إن ظفرت به
وسرت ما بين أبناء الكرى سخروا
فان رأيت أخا الأحلام منفردا
عن قومه وهو منبوذ ومحتقر
فهو النبي وبرد الغد يحجبه
عن أمة برداء الأمس تأتزر
وهو الغريب عن الدنيا وساكنها
وهو المجاهر لام الناس أو عذروا
وهو الشديد وإن أبدى ملاينة
وهو البعيد تدانى الناس أم هجروا
(جبران خليل جبران).
صاحبنا جبران خليل جبران كثيرا ما يجعلك تتحسس نزعته التشاؤمية للحياة، مع العلم أنه مِن أكثر مَن تغنوا بالحياة ووجهوا لنا دعوة إلى الإقبال على أقداحها قدحا قدحا..
والحب في الناس أشكال وأكثرها
كالعشب في الحقل لا زهر ولا ثمر
وأكثر الحب مثل الراح أيسره
يرضي وأكثره للمدمن الخطر
والحب إن قادت الأجسام موكبه
إلى فراش من الأغراض ينتحر
كأنه ملك في الأسر معتقل
يأبى الحياة وأعوان له غدروا
(جبران خليل جبران).
ولا أدل على طابع اليأس المتواري خلف باب بيت الشعر مِن عناوين كتبه تلك التي حرص فيها هو كل الحرص على أن يطعمها بشيء من نبرات الرضى وهو يوازي بين «دمعة وابتسامة»:
- الأجنحة المنكسرة.
- الأرواح المتمردة.
- المواكب.
- العواصف..
شاعر فنان مثل جبران خليل جبران مرّنته التجارب على التكيف والتأقلم مع بشاعة الحياة وقبحها وبؤسها وغربتها وألمها ونارها، لكنه رغم كل هذا الشقاء قد أبى إلا أن يَقوم بنوع من التطهير الداخلي للنفس الإنسانية، لماذا؟! لأنه اختار طوعا أن يبرز لنا الجوانب الفتية والجميلة والنقية والبهية في هذه الحياة، ومن ثمة اجتهد في أن يُقْبِرَ كل البشاعة..
«وما الحياة سوى نوم تراوده
أحلام من بمراد النفس يأتمر
والسر في النفس حزن النفس يستره
فان تولى فبالأفراح يستتر
والسر في العيش رغد العيش يحجبه
فان أزيل تولى حجبه الكدر
فإن ترفعت عن رغد وعن كدر
جاورت ظل الذي حارت به الفكر»
(جبران خليل جبران).
هذه التصفية للحياة من الشوائب وما إلى ذلك مما تترفع عنه النفس جعلت الشاعر يكبر في عيوننا، جعلتنا نحس بصدق إحساسه، جعلتنا نَتَحابّ، جعلتنا نشتاق لصوت طائر غِرٍّيد يشبهه بعد أن نأى هو عن عالمنا هذا وغاب..
«والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا
به ويستضحك الأموات لو نظروا
فالسجن والموت للجانين إن صغروا
والمجد والفخر والإثراء إن كبروا
فسارق الزهر مذموم ومحتقر
وسارق الحقل يدعى الباسل الخطر
وقاتل الجسم مقتول بفعلته
وقاتل الروح لا تدري به البشر» (جبران خليل جبران).
سطور جبران خليل جبران جعلتنا نفرح برغيف الأمل ونحن لا ندري شيئا عن مسامير الألم المزروعة فيه، جعلتنا نسكر بكأس الحُبّ ولا ننتبه إلى حبات العنب المسمومة المبعدة عنه، جعلتنا نتلذذ بحلاوة كعكة الحياة ولا نهتم لعدد حبات الفراولة الفاسدة الملقاة بعيدا عنا..
«الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا
وأكثر الناس آلات تحركها
أصابع الدهر يوما ثم تنكسر
فلا تقولن هذا عالم علم
ولا تقولن ذاك السيد الوقر
فأفضل الناس قطعان يسير بها
صوت الرعاة ومن لم يمش يندثر»
(جبران خليل جبران).
حِكَم لا شك في أنك تذوقتها يا صديقي كما يتذوقها فنان، فنان عشق بليغَ الكلام، ورفع المعنى والإيقاع في ميزان..
هي ليست لآخَر غير الرقيق جبران خليل جبران هذا الذي طاب لنا أن ننتقي من فاكهة مواكبه ما رتبنا به فوضى أنفاسه على امتداد السطور التي حملت توقيعه..
يموت الشاعر، وتظل أشعاره ممددة على صدر العاشق، يُداعبها بيتا بيتا، ويَحلبها قافية قافية، فلا القافية ينتابها الكَلل، ولا العاشق يُصيبه الْمَلل..
هكذا كان، ومازال شِعرُ الكِبار، كبار هم الجدير بهم أن نُصَفِّقَ لهم بعيوننا ووِجداننا، ولا تاج أغلى مِن الصمود يَحلو لقصاصات أبياتهم المسافرة في الزمن..

سعاد درير