كتاب وأراء

نُرَبِّي الحُلْمَ أمْ نُرَبِّي الخَوفَ؟!

أكثر ما نَحترق شوقا إليه وأكثر ما نَفتقده في زمننا هو الإحساسُ بالاطمئنان، والشعورُ بشيء من الرضى عن نفوسنا الأمّارة بالوسواس القَهْري، مع أننا في كل وقت وحين نَستعيذ بالله من الشياطين..
مَعْتوه أم مُخْتَلّ أم جاحد للنعمة وكافِرٌ بها هو إنسان اليوم هذا الذي يُصَوِّرُ له عقلُه أنه لا يَنقصه شيء، لكنه كلما تَفَرَّغَ لوقفةِ تأمُّلٍ وَجَدَ أنه يَنقصه كل شيء، يَنقصه الإحساس بالسكينة، يَنقصه الإحساس بالسلام الغائب، يَنقصه التوازن النفسي الذي كُلَّما حَنَّ إليه أَنَّ وجُنَّ..
في أكثر المرات، نَسْتَشْعِرُ بعضَ الفرح العابر لقارة القلب ونَحْنُ نَفتح نافذةً على الماضي لِنَسترجع القليلَ مِن عَبق حديقة الطفولة، نَتذكر شَغَبَ الطفولة، نتذكر سراويل وحَفَّاظات الطفولة، نتذكر مقالِبَ الطفولة، نتذكر بُكاءَ الأطفال الْمُدَلَّلِين الذين كُنَّاهُم ونَحْنُ نُمَهِّد للحصول على دُمية أو كُرَةِ قدم أو قيثارة أو هارمونيكا أو أوكورديون..
كم كُنَّا أَشْقِياء ونَحْنُ نتقرب إلى ذَوِينا بِكُلّ الطُّرُق الكَيْدِية، إلا القُبَل، خِلافا لأطفال اليوم الذين يُوَزِّعون القُبَلَ بالمجّان، فإذا بالقُبُلات تَنْثَال كالشَّلال، وإذا بالأحضان تَتَصَبَّب عِناقا..
ياااااااا لَشَقْوَتِنا مِن جَرَّاء هذه الذاكرة الْمُرَّة مَرارةَ بُرتقالةٍ تَعِدُكَ وتُمَنِّيكَ قالَباً، أمّا أن تُجَرِّبَ أن تَتَذَوَّقَ قلبَها، فتَأَكَّدْ أنه لن يَختلف عن مَطَر حِمْضِيّ!
عُيونُنا الشقية هي الأخرى، وباطِن أَيْدِينا، كِلاهما يَحِنّ إلى قطار طفولةٍ هاربة، طفولة لم نَشبع منها، طفولتنا ما أحلاها ونَحْنُ نَتَأَهَّب للحصول على مصروف الجيب مِن يَدٍ كريمة طاهرة، في كل شهر وفي كُلّ أيام العِيد..
صحيح أن مصروفَنا الشخصي لم يَتَجَأوَزْ بِضْعَ قِطَعٍ نَقدية دائرية تُثْقِل الجَيْب، لَكِنَّ أرواحَنا بهذه القِطَع كانَتْ تَتَدَفَّأ، والسلام لم يَغِبْ عن قلوبنا التي غَدَت اليومَ تَرتجف كالطيور المذبوحة، والطمأنينة في تِلْكَ الأيَّام الماطِرة مطرَ الحُبّ لم تَكُنْ لِتَنْأَى عنْ قُلوب مَا عُدْنَا نَقْوَى على إِلْهَائها وتَنْوِيمها بعيدا عن القَلَق والخَوْف لَوْلاَ «أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ»..
أَلاَ لَيْتَ الزَّمانَ يَعودُ لِنُرَبِّيَ الحُلمَ عِوَضَ أنْ نُرَبِّيَ الخوفَ..
ألا لَيْتَ الزمانَ يَعودُ لِنَدَّخِرَ شيئا مِن الطُّمَأْنِينة للسَّنوات العِجاف..
ألا لَيْتَ الزمانَ يَعودُ لِنَبْكِيَ هذا الحاضِرَ الذِي يَمْتَصُّ حُضورَنا ويَلذعنا لَذْعَ فُلفُل حارّ..
أَلا ليتَ الزمانَ يَعود لِنُقَبِّلَ أصابعَ يَدَيْهِ وقَدَمَيْه ونَسْتَحْلِفَه ألاَّ يَرحلَ دُونَنا..
نافِذَةُ الرُّوح:
- «بين العته والجنون مسافةُ خُروج مِن ورطة».
- «مستحيل ألاَّ أُطارِدَ المستحيل».
- «بين شَفَتَيَّ وابتسامتِكَ ما بين السنابل وموسم المطر».
- «أَدِرْ رَحاكَ يا وَقْتُ، واعْفِنِي مِن ذاكرةٍ أَبَتْ أنْ تَتَساقَطَ أوراقُها».
-«بين زَخَّاتِكَ ووُرَيْقَاتي ما بينَ قُبطانِ سفينةٍ وأمواجٍ تُعيدُ تَرتيبَ سِياسَتِه البَحرية».
-«رُدَّ قميصَ طفولتي يا لَيْلَهُ.. وأنتِ يا وُرودَ الحنين، تَفَتَّحِي أكثر لِتَسْتَوْعِبَ عِطْرَكِ قارورةُ الشَّجَا».
-"بين شَمْسِي وغُيومِكَ مظلةُ انتظارٍ مثقوبةٌ تَتَرَقَّبُ سَقْفَ تَمَرُّدٍ آيِلا لِغَير السُّقوط.
بقلم: سعاد درير

سعاد درير