كتاب وأراء

سباق تسلح وحرب باردة

يندلع في عالمنا الراهن سباق جديد للتسلح، لم يعد في عدد أطرافه ثنائياً، كما كان الحال قبل هدنة انتهاء الحرب الباردة التي أعقبت انهيار وتفكك الامبراطورية الحمراء، ليتجدد سباق جديد للتسلح ثلاثي الأطراف تخوضه الولايات المتحدة وروسيا والصين، وليقترن هذا السباق الجديد للتسلح بحرب باردة جديدة أيضاً، من أبرز معطياتها استخدام العقوبات الاقتصادية، وتنويع المناطق والأزمات الساخنة في العالم، وتحديث القوة العسكرية والردع الصاروخي، وزيادة الموازنات العسكرية زيادة غير مسبوقة، وتحديث الحرب السيبرانية والفضاء، وإضافة أفرع غير مسبوقة لهذه الأسلحة في المؤسسات العسكرية، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن إنشاء القوة الفضائية الأمريكية والتي سميت القوة السادسة في الجيش الأميركي، ولا نظن أن كلاً من روسيا والصين لم تقدما على الشيء ذاته في صمت، حتى لا يتركا الفضاء الكوني ساحة تحتكرها الولايات المتحدة ويصعب تالياً تحديها
وكل من سباق التسلح والحرب الباردة الجديدين تضع العالم على أعتاب طقس سياسي متوتر، يخشى معه الدفع بالعالم إلى حافة حرب عالمية ثالثة، وهي هاوية خطيرة أن سقط فيها العالم، خصوصاً مع ما يحدث في العالم من صراعات، سواء في الشرق الأوسط أو آسيا أو حتى في أوروبا، يقف فيها كبار على جانبي خطوط التماس فيها، حيث في هذه الصراعات تتناقض المصالح وتتصادم إرادات النفوذ، وفي لحظة مارقة قد تتباين الحسابات أو تخفق فرص التنسيق، ويتعذر تمرير المشاكل أمام نزوة التشامخ.
ومن المعروف أن الولايات المتحدة لا تزال هي القوة العسكرية الأكبر على الأرض، حيث تقول تقارير إنها تمتلك 10 حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية، كما تمتلك أحدث طائرات الشبح المقاتلة، وقاذفات إستراتيجية قتالية، وقوات مارينز منتشرة في كل مكان، وقوة ضخمة من قوات العمليات الخاصة، وميزانية دفاعية تقدر بأكثر من 700 مليار دولار، غير أن روسيا لا تنصاع إلى فكرة أنها لا تسطيع أن تجاري الأميركيين في هذا المضمار، نظرة للفجوة الكبيرة بين البلدين في الدخول الاقتصادية المتاحة، حيث يمكن للولايات المتحدة ان تنفق الكثير على أبحاث إنتاج أسلحة جديدة، بينما لا يتوفر للروس مثل هذه المداخيل الاقتصادية، كما تواجه روسيا معضلات عديدة تحول بينها وبين التوسع في سوق السلاح الدولي، نظراً لأن واشنطن تشهر عقوباتها في وجه الدول الزبائن للسلاح الروسي.
لكل ذلك اضطر الروس إلى تقييد طموحاتهم التسليحية بإمكاناتهم الاقتصادية، خاصة وأن أسعار النفط والغاز الروسيين في السوق الدولي الراهن لا تدر الكثير على موسكو، فهناك تعدد لموردي هذه المواد الطاقوية.
ورغم ذلك بدأت روسيا تصنيع مجموعة جديدة من صواريخ «إسكندر، وأنواع اخرى من الأسلحة والتجهيزات العسكرية، كرد على تنصل الولايات المتحدة من معاهدة الحد من الصواريخ، وهو الموقف الأميركي الذي يفرض على الروس تحديات كبيرة.
ومن الواضح أن واشنطن لا تتعمد إطلاقاً الكشف عن أسلحتها الجديدة أو التباهي بقدراتها العسكرية المتطورة، ولا مقابلة السمعة الجيدة التي تحظى بها أسلحة الدفاع الجوي الروسي التي تسعى إليها دول عدة في العالم، بالكشف عن أسلحتها الجديدة أو بالإعلان عن أسلحة أميركية تضارعها أو تتفوق عليها لتبوير السلاح الروسي واستقطاب زبائن من الوزن الاقتصادي الثقيل للسلاح الأميركي، ومن ثم فقد يخطئ من يظن أن الروس والصينيين يكسبون جولات في مجالات التسليح لا يكسبها البنتاجون الأميركي، أو أن روسيا والصين تتفوقان الآن على الولايات المتحدة فى بعض الأسلحة «أس أس 400 الروسية في مقابل الباتريوت الأميركية» بعد أن كانت واشنطن صاحبة الريادة وحدها في هذا المجال، ولا نظن السقف الأعلى للدفاع الجوي الأميركي قد توقف عند الباتريوت.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي