كتاب وأراء

الأصنام العسكرية.. ما خفي أخطر! - (1)

= عقب ما آلت إليه الأحوال في بلدان الربيع العربي والنتائج المأساوية التي مني بها بفعل فاعل ونتيجة المؤامرات التي حيكت ضد ثوراته إثر تحالف القوى الخارجية من الشرق والغرب مع مؤسسات ولوبيات الأنظمة التي خرجت الشعوب ضدها ثائرة.
وما كان ولايزال من محاولات لإرجاع الحال إلى المربع الأول وما كان عليه قبل الثورة، وبنظرة فاحصة معمقة نجد من أكثر الأطروحات بعدًا عن الواقع تلك التي تؤكد على الاختلاف الجذري في خصائص كل بلد عربي عن غيره من ناحية الأنظمة والتركيبة الاجتماعية والمشاكل الداخلية، وأن الثورة يجب أن تكون مختلفة الأساليب والتوجهات.. لأن الخصم الحاكم في هذه الدولة أو تلك مختلف عن شبيهه في مصر أو اليمن أو تونس أو ليبيا أو سوريا وما يصلح ثوريًا في بلد لا يصلح في غيره، وهو ما قد يبدو صحيحاً من الناحية النظرية.
لكن لو قمنا بتحليل الأوضاع والتركيز على المعطيات والنتائج سنجد أن الاختلافات ليست جوهرية ولكن في القشور الخارجية فقط، أما المعادلة على أرض الواقع لم تتغير كثيرًا بين دولة وأخرى من بلدان الربيع العربي بموجتيه الأولى والحالية، فهي معادلة رباعية الأطراف مكوناتها نظام حاكم مستبد قمعي يختار ستارا يختبئ خلفه وهذا الستار قد يكون دينيا أو علمانيا أو قوميا أو ثوريا، وشعب مغلوب على أمره تعاني القاعدة العريضة منه من مشاكل اقتصادية مغلفة بمتطلبات حقوقية واجتماعية مجتمعة مع فصائل وحركات تمثل الحقوق السياسية والحريات وما يتبعها أولوية في أجنداتها وأفكارها وإن اختلفت أساليبها وأهدافها المنشودة، وأطراف خارجية إقليمية ودولية متربصة ومتحفزة لها مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية مع هذا النظام ومؤسسات أمنية ولوبيات اقتصادية- سياسية داخلية تتشعب علاقاتها مع بعضها البعض تعيش في ما يشبه الكانتونات المنعزلة عن باقي طوائف الشعب وتمثل الثورات والدعوة لتغيير تلك المعادلة عدوها الأول، ولو تتبعنا الثورات جميعها نجد أن المؤسسة العسكرية بكافة أفرعها متبوعة بباقي مكونات منظومة العدالة -القضاء بمختلف درجاته واختصاصاته والشرطة بمختلف أجهزتها- هي صاحبة القول الفصل في مجريات الأمور وفي الغالب تقف في وضع المراقب المتربص طالما الحراك الثوري في الشارع متوحد الهدف والشعارات والتوجه ويقتصر دورها في هذا التوقيت على العمل جاهدة على شق هذه الوحدة وتفتيتها لأنه دومًا ما يوجد هناك فصيل سياسي أو أكثر من غير تيار الإسلام السياسي غالبًا يحاول الحصاد قبل الزرع ولا يجد غضاضة في العيش في كنف الصنم العسكري عوضًا عن حياة ديمقراطية ستأتي بغيره لسدة الحكم في نوع من التناقض والأنانية تستأثر به الحركات والأحزاب العلمانية في المنطقة العربية جعلها حبيسة دائرة مغلقة لا يمكن وصفها إلا بديكتاتورية الأقلية التي ترى نفسها هي وحدها من تملك الحق والحقيقة وكل مخالف لها تنقصه الثقافة السياسية والمعرفة ويعيش في الماضي ومنفصل عن الحاضر والواقع، دون إغفال الأخطاء التي تقع فيها تيارات الإسلام السياسي وتكررها بكل سذاجة مما يجعلها دومًا عرضة لتحالف مصلحة ضدها يجمع بين النظام والحركات والأحزاب العلمانية وهذا لا يعفيها من المسؤولية ولكن يظهر حاجتها لتغيير لهجة خطابها وإدراكها أن الظهير الشعبي الذي تتمتع به غير كافي للنجاح بمفردها في إزاحة الأنظمة الحاكمة في بلدان الربيع العربي، ويظهر للجميع أنه لا سبيل للخلاص منها إلا بالوحدة ضدها والاحتكام لقواعد الديمقراطية التي ينادي بها الجميع.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري