كتاب وأراء

ليبيا .. الأمم المتحدة على العرب ! «1»

«أغادر ليبيا وأنا مفطور القلب وأشعر بقلق شديد».. لم تكن العبارة السابقة المفعمة الأحاسيس لعاشق ترك محبوبته، بل تغريدة تم نشرها على الحساب الرسمي للأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو غوتيريش» على تويتر عقب اللقاء الذي جمعه مع الجنرال خليفة حفتر في مدينة بنغاري شرق ليبيا.
وفي الحقيقة وعلى الرغم من قتامة الوضع وتعقيداته على الساحة الليبية فإن تصريحات غوتيريش تبدو منطقية ومعبرة عن الوضع المزري الذي وصلت إليه المنظمة الدولية المنوط بها حفظ السلام والأمن الدولي واتخاذ التدابير اللازمة لمنع الأسباب التي تهدد السلم وإزالتها كما جاء في الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة، هذا الكيان الذي برز وتم تدشينه رسميًا في 24 أكتوبر 1945 عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية في مطلع سبتمبر 1945، وإن كان مصطلح الأمم المتحدة قد تم استخدامه لأول مرة في الأول من يناير 1942 خلال الحرب العالمية الثانية على لسان الرئيس الأميركي حينها «فرانكلين روزفلت» عندما اتخذ ممثلو 26 دولة تعهداً من حكوماتهم بمواصلة القتال ضد دول المحور.
ولكن وعلى الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على أن جميع أعضائها متساوون في الحقوق والواجبات لكن أبت الدول الكبرى أن تتساوى مع غيرها لذا تم زرع كيان داخل الأمم المتحدة حسب الفصل الخامس تحت مسمى «مجلس الأمن الدولي» وهو النظام الوحيد الذي يمتلك نفوذًا وسلطة في اتخاذ قرارات يلتزم جميع الأعضاء بتنفيذها وفي الوقت نفسه تمتلك تلك الدول الخمس حق النقض «الفيتو» لإبطال أي قرار وبالتالي استحالة تنفيذه وهنا مربط الفرس والغاية الحقيقية من وراء إنشاء هذا الكيان ويعبر بصورة فجة عن استمرار هيمنة الكبار «المستعمرين الجدد» على الساحة السياسية الدولية ولكن هذه المرة عبر غطاء قانوني دولي، ولم تعان أي منطقة في العالم تبعات هذا بقدر ما عانت المنطقة العربية، ويعود هذا لوجود صاحب الرقم القياسي العالمي في رفض قرارات الشرعية الدولية وهو الكيان الصهيوني- الدولة الوحيدة في العالم التي تم إنشاؤها بقرار أممي على أراضٍ لا تمتلكها-.
وبالعودة للساحة الليبية نجد أن الصراع فيها قد يبدو على السطح صراعًا سياسيًا بصبغة عسكرية بين طرفين أحدهما معترف به دوليًا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس برئاسة فايز السراج وبين ميليشيات عسكرية يقودها جنرال انقلابي مارق في بنغازي- خليفة حفتر- يحظى بدعم لا متناهٍ من الإمارات التي سبقت تحركاته تجاه طرابلس زيارة لولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد لمصر وتفقده مع حليفه الانقلابي المنطقة الغربية والتي تضم قواعد عسكرية يستخدمها الطيران المصري وبدعم إماراتي لشن غارات جوية داخل ليبيا تحت دعوى مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة وإن كانت جميعها بلا استثناء لم تقصف إلا مناطق تتمركز فيها قوى سياسية وعسكرية مناوئة للانقلابي خليفة حفتر، والسعودية التي جاء الهجوم على طرابلس بعد أسبوع واحد من زيارة حفتر لها ولقائه الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان في ما يبدو كأنها زيارة للحصول على الدعم والضوء الأخضر للهجوم على طرابلس، ومصر التي يسيطر على الحكم فيها الجنرال الانقلابي عبدالفتاح السيسي المؤيد علنًا ومنذ وقت طويل لنسخته الليبية ويعمل بكل جهد لتمكينه من السيطرة على كامل ليبيا تنفيذًا لأهدافه والتي تلتقي مع أهداف وأماني كفلائه، ويختبئ حفتر خلف شرعية زائفة منحتها له حكومة موازية بقيادة عبدالله الثني ومجلس النواب الليبي في طبرق والذي سبق أن حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية عقد جلساته في طبرق والقرارات المنبثقة عنه في نوفمبر من العام 2014، ومنحت حكومة الثني للميليشيات التابعة لحفتر مسمى «الجيش الوطني الليبي».
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري