كتاب وأراء

المعارضة المصرية.. والمعادلة المستحيلة! (2)

لسنا بصدد سرد أخطاء كل فريق؛ فالخصم لا يزال قابعًا في سدة الحكم، وينكل بالجميع بلا استثناء، ويضع كل معارضيه في بوتقة إخوانية؛ حتى يتمكن من سحقهم بطريقة أسرع وأكثر قابلية عند مؤيديه وداعميه ومموليه، فقد شيطنت ماكينة الإعلام الموجه الإخوان المسلمين وقامت بهذا على مدى سنوات وبمساندة شرائح عدة من الأكاديميين والكتاب والإعلاميين ومشايخ السلطة والفنانين وخليط متنافر من أطياف شتى تم صهرها معًا بقوة الضغط المتنوعة الطرق والأساليب لتعمل جميعها في سرب واحد مهمته الوحيدة التغريد بأن تيار الإسلام السياسي وجماعة الإخوان هما سبب مصائب ونكبات المجرة بأكملها وليس مصر فقط وذهب ببعضهم الشطط للقول إن الجماعة تسببت في سقوط الأندلس.
بعد وقوع الانقلاب العسكري ظل هناك حراك شعبي في الشارع المصري عماده الأساسي من مناصري الرئيس محمد مرسي وتيار الإسلام السياسي وسط عزوف باقي التيارات- المتحالف غالبيتها مع العسكر حينها- وظل هذا الحراك مستمرًا حتى نهاية العام 2014 حتى تلاشى تقريبًا وتزامن هذا مع ازدياد وتيرة استهداف النظام العسكري للتيارات الأخرى بشتى أطيافها بعد أن فرغ من تحييد التيار الإسلامي بصورة كبيرة إثر اعتقال الكثير من القيادات ولجوء الكثيرين لخارج مصر واغتيال البعض، ناهيك عن عشرات آلاف المعتقلين والمطاردين، وبدأت تتضح لجميع القوى السياسية بصورة قاطعة أن العسكر قرروا الانفراد بالحكم المطلق والسيطرة الكاملة على مختلف أركان الدولة بما فيها المجال السياسي، وأصبح لا يخفى على أي عاقل أنهم يسيرون بمصر نحو الهاوية وحينها سيخسر الجميع من أقصى اليمين لأقصى اليسار ولن ينجو أي فريق من السقوط في بحر من الديون والمشاكل الداخلية والخارجية بشتى أنواعها ومعضلات متراكمة تزداد وطأتها وتتضاعف كلفة إصلاحها بشكل مستمر.
هناك معادلة لا تغيب عن النظام العسكري لحظة واحدة وهي أنه لا مجال لزحزحته قيد أنملة حال استمرار الفصائل والقوى المعارضة له متشرذمة متفرقة وفي كثير من الأحيان تكون خلافاتها تجاه بعضها البعض أشد وطأة من خصومتها مع النظام الانقلابي نفسه، وهناك حقيقة أخرى باتت جلية كلما تحركت القوى والنخب من غير التيار الإسلامي بأي خطوة معارضة للسلطة العسكرية الحاكمة تقوم بالتزامن معها بإظهار خصومتها وخلافاتها مع المعسكر المتمسك بمكتسبات واستحقاقات ثورة يناير والمناصر للرئيس محمد مرسي وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين حد وصف البعض لنظام الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان بالفاشية، وفي أحيان كثيرة تقوم بالمبادرة بالهجوم دون الحاجة لهذا فالمعسكرات والتوجهات تحددت معالمها وهوية وأهداف المنضوين تحت ألويتها منذ مدة طويلة، وربما يرجع هذا إلى حدة النظام العسكري في الهجوم على كل معارض له ولو بشطر كلمة مهما كانت هويته وأيديولوجيته وربطه مباشرة بالإخوان المسلمين- التهمة المعلبة والجاهزة- وفي الوقت نفسه مبالغة المعارضين من التيارات العلمانية في نفيهم عن أنفسهم تلك التهمة المضحكة والخطرة العواقب في الوقت نفسه بالهجوم المضاد تجاههم ليجتمعوا مع النظام العسكري في تلك النقطة- الخصومة مع التيار الإسلامي- وهو ما يصب في مصلحة النظام العسكري بكل تأكيد.
وهناك نقطة أخرى غاية في الأهمية وهي أنه كما يغيب عن التيارات العلمانية الظهير الشعبي المؤثر؛ نظرًا لكون خطابها نخبويًا من الأساس وتفتقد للقدرة على التواصل بشكل جيد مع الشارع ويعود هذا لطرحها أفكارها بصورة تجعل الغالبية تنفر منها حين ربطت نفسها بشكل أساسي بقضايا فرعية تعتبر من رفاهيات المجتمعات الراسخة في الديمقراطية والمساواة، والتي لا تلمس الحاجات الأساسية للمواطن العادي في ظل نظام قمعي ديكتاتوري- ساهمت جُل تلك التيارات في قدومه- ويفتقد للقدر المقبول من الحياة الكريمة وتأتي تلك القضايا في ذيل اهتماماته، ربما يلاقي هذا الخطاب صدى لدى الدوائر الغربية ويجعلها تستمع لنقدها واعتراضاتها على النظام العسكري لكن يبقى الصدى محدودًا وبلا أثر تقريبًا على حراك الشارع- العامل الأهم في المعادلة الثورية- ويقابله النظام العسكري بإجراءات التصفية المعنوية لأصحابه وملاحقتهم قضائيًا ولن يحرك الغرب- الرسمي- ساكنًا؛ فحرية الشعوب العربية تضره أكثر مما تنفعه بلا شك، ويغيب عن التيار الإسلامي وجود نخب ووجوه مقبولة لدى الدوائر نفسها في الغرب.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري