كتاب وأراء

حُرَّاس مَنْجَم الحكمة

د. سعاد درير
يُقالُ إن مالِكَ قصر لا تَغيب عنه مظاهر إلىُسر والثراء فكر يوما في أن يُكافئ مستخدَمي قصره بما يَليق مع سنوات الخدمة والولاء التي استغرقَتْ معظَم قارورات عِطر العُمر..
مالك القصر العظيم لم تَكن تنقصه الحكمة، ولا كان ينقصه الدهاء، ليزن مستخدميه في ميزان الإيمان والرضى بالقَدَر والقضاء..
من ثمة، خطَّط المالك، واخْتَمَرَت الخطة، وآن أوان إنزالها إلى أرض الواقع، فلم يَكن عند أيّ من المستخدَمين مانع.. إنه وقت الإنصات والتنفيذ..
أمر مالك القصر باجتماع بعد اللقاء، ودعا مستخدميه إلى طاولة العشاء، ووضع بجانب كل منهم مُصْحَفَ قرآنٍ وظرفا مُغْلَقاً لا أحد يَدري شيئا عما بداخله..
وهنا وَجَّهَ مالك القصر الخِطابَ، وصارَحَهم بأنه يوم التكريم، ومِن واجبه أن يَحتفي بهم في هذا اليوم العظيم..
والمكافأة؟!
هنا بيتُ القصيد ومربط ألفَرَس.. لماذا؟! لأن مالك القصر خَيَّرَ مستخدميه بين القرآن وبين الظرف الذي اتضح أنه يختزن نصيبا من المال..
فهل يتودد المستخدَم من أولئك إلى رب القصر أم إلى ربّ القرآن؟!
ومَن منهم يقوى على تجاهُل مبلغ يَسيل له لعاب المحروم والطماع؟!
لا شك في أن خطة مالك القصر ذَكَّرَتْهُم بلعبة ضربة حَظّ، فماذا عن الردّ؟!
أجاب المستَخْدم رقم 1 بأنه يُحِبّ القرآن، لكنه للأسف لا يَعرف القراءة، بالتالي كان مِن السهل عليه أن يُبَرِّرَ اختياره لظرف المال تاركا القرآن..
أما المستخدم رقم 2، فإنه يحب القرآن ويحب قراءته، لكنه للأسف قال إن وظيفته في المطبخ تجعله لا يجد الوقت لقراءة القرآن، لذلك فَضَّلَ المال..
وهكذا كان نصيب مالك القصر حظّه مِن الخيبة، إلى أن جاء ردّ المستخدَم الأخير الذي قال إنه صحيح فقير وفي أَمَسّ الحاجة إلى المال، لاسيما وأن أُمَّه مريضة ويلازمها مرض عضال، لكن أُمَّه تقول دائما إن كلمة من القرآن تُغْنيه..
وهنا كانت المفاجأة أبعد مِن مستوى التوقع، لأن المستخدَم الأخير تَلَقَّفَ المصحف بحُبّ وزهدَ في المال..
لكن ما لم يكن ليخطر على البال هو أن المصحف الذي زهدَ فيه الآخرون، وحَمَلَه آخِر الرجال، كان يحتوي على ظرف لن تصدق يا صديقي أن ما به من مال كان يُعادل ثلاثة أضعاف ما تَلَهَّفَ عليه السابقون، وأكثر مِن هذا، فقد كان ذلك القرآن متضمِّنا لعقد يُفيد بأن مالك القصر يتنازل فيه عن عدد من ممتلكاته لحامِل المصحف..
ألا نرى كيف أننا نَظلم نفوسنا ويُنْصِفُنا الله؟!
ألا نَرى كيف نُرَخِّصُ الغالي ونَرْفَع مِن شأن الرخيص؟!
ألا نرى كيف أن شيئا مِن الحكمة يَهزم الطمع؟!
هذا درس آخَر نتعلم منه أن بين الحكمة والطمع ما بين النفس المطمئنة والنفس الأمَّارة باللوم والجشع.. والعِبرة؟! ما عند الله أبقى وأثْمَن وأعظم..
نافِذَةُ الرُّوح:
- «قمرُ الحرية الحالِم به ضوء العيون أينَه يا ليلَه الهارب بي بعيدا عن شواطئ الْحُلم؟!».
- «يا قَدَرِي يا أنتَ، خُذْ مَفاتيح أسواري وارْحَلْ قَبْلَ مَغِيبِ الْبَوْح».
- «مِسكينة يا عينَيْه! أمَاَ آنَ لكِ ألاَّ تُضِيئِي؟!».
- «صَلَواتُ الصمت تَسْحَبُ رُعاةَ القَمَر إلى حيث لا سماء ولا ضَوء!».
- «سَلِمْتَ يا عِطْرَه.. هَاتِ قارورَتَكَ، وانْتَظِرْنِي عند مَهَبِّ الأنفاس».
- «جُنون العَظَمَة يَرْفَع الذُّباب على عرش مَلِكَة النحل».
- «فُستان الرغبة أَضْيَق مِن مقاسِ ليلِ التَّمَنِّي».

سعاد درير