كتاب وأراء

أيديولوجيات بخبث الجراثيم

صرت أنظر باستخفاف لادعاء العالم في فترات تاريخية مختلفة أنه استطاع القضاء على أيديولوجيا أو تيار فكري معين ومعها من يعتقدون أو يعتنقون هذه الأيديولوجيات، فقد توهم العالم سابقا أنه أفنى النازية ومعها الفاشية بالحرب العالمية الثانية، وظن أن الحرب التي دحرت جيوشها وفلولها قد شطبت على هذه الأفكار المارقة في عنصريتها وإشاعتها للكراهية وتحقيرها أعراقا بشرية وهبها الخالق حياة وساوى بينها وبين غيرها في رسالاته السماوية الثلاث في حقها بالحياة والوجود والعيش الكريم، كما ظن العالم بالمثل أن الشيوعية أصبحت في خبر كان بانهيار امبراطوريتها السوفياتية الحمراء وأيضا أثر التحولات التي اتخذتها الإمبراطورية الصفراء.
اليوم بوسع كل من يطلون بتفحص على دنيانا من نافذة تترصد الحاصل والكائن فيها أن يقولوا إن هذه الأيديولوجيات لم تمت كما توهم العالم وظن، ولم تنقرض كما اعتقد خطأ، فقط انطبق عليها ما ينطبق على مستعمرة جراثيم تواجه خطر الفناء، فهي تنزاح من الحاضر وتتكيس وتتشرنق حتى يحين الوقت الملائم للعودة إلى الحياة بكامل نشاطها مجددا.
الماديات ربما يمكن أن تفنى أو تنقرض أو تختفي، ولكن الأيديولوجيات لها خبث بعض الجراثيم في الاحتيال على تحديات الموت، لهذا نجدنا نتفاجأ جميعا أن دنيانا الغريبة هذه لم تشف من أدران فكرية يمكن أن تشيع حروبا وتتسبب في دمار امم وخراب شعوب لان هناك من دس الفكر المارق في خزانة نسيان لبعض العقود الزمنية، ثم اخرجه من شرانقه ووضعه في عقول شباب مجددا ليتحولوا به إلى قنابل ورشاشات يسفك سيل رصاصها دماء الابرياء.
ورغم انني ممن يسخرون من عرافات ومدعيات قراءة المستقبل والمتشبهات بنوستراداموس حينما كن يطللن علينا من فضائيات ويتحدثن عن توقعاتهن بتجدد النازية والشيوعية، حيث كنت استخف بهذه الافكار وأسفهها واراها دجلا لا يحتاج إلى برهان، وكنت ارى هذه البرامج التي تدعي القدرة على التنبؤ وقراءة المستقبل في مستهل كل عام، وبلغة الصحافة، اشبه بتسويد مساحات تحريرية بما لا يفيد ولا يجدي، أو بما يحتال على العقول، الا انه - وللاسف الشديد - ما من عاقل بوسعه نكران ان عالمنا الراهن يشهد عودة لتيار ارهابي نازي خطير بدأ مؤخرا الخروج من سراديبه وشرانقه وباغت العالم في اول حوادثه الارهابية البشعة في نيوزيلند التي استيقظت على كابوس بعد ان كانت ترفل في امان وسلام.
من ذلك فاننا ازاء نكسة ايديولوجية لان كل المضادات الحيوية التي استعملت لقتل ووأد هذه الايديولوجيات، سواء بالحروب والفكر والفن والتقدم العلمي... الخ، لم تفلح في الغرض منها، تماما كما اصبح علماء في دنيانا الراهنة يحذروننا من عودة امراض قديمة كنا نظن ان البشرية قد برأت منها تماما، فإذا بهذه الامراض تخرج لسانها للصيدلة الحديثة، وتقول لأطباء اليوم: هل من منازل !
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي