كتاب وأراء

نطفئ شيئاً من الليل !

نطفئ شيئاً من الليل !

مَن جَرَّبَ أن يَفهم المرأة كما ينبغي لها أن تُفْهَمَ المرأة؟!
مَن جَرَّبَ أن يتريث عند باب المرأة ويَلتقط الأعذار للمرأة؟!
ومَن آثَرَ أن يُسْقِطَ من حساباته كل شيء يُذْكَر ليتفرغ لشخص واحد يُذكَر، المرأة؟!
قد لا يَغيب عنكَ يا عزيزي أنني أرنو إلى أبعد مِن أن أَختبر قدرتَكَ على العثور على الجواب الذي يُرضيني قبل أن يُرضيكَ، لكن لِنَقُلْ إنها مقدمة بروتوكولية أريدَ بها خير لا بُدّ منه..
لا يَفهم المرأةَ إلا المرأة، ولا يُثَمِّنُ المرأة أكثر من المرأة، ولا يَمدّ حبلَ التواصل إلى المرأة سِوى المرأة أو رَجُل يَخدم المرأة ويَحترم المرأة ويحتاج إلى المرأة ولا يتحقق وجودُه إلا تحت سقف المرأة..
بطلة حكايتنا اليوم امرأة هَزمها دُوارُ الزمن، ومتى؟! بعد أن تساقطت أسنان رغبتها في الحياة هي الأنثى الهاربة منها هروبَ أسير، بعد أن تعطَّلَتْ عربةُ قدميها الحالفتين ألاَّ تَستأنفا المسير..
نافذتنا المشرعة على بحر الشِّعر تَقول إن في انتظارنا امرأة ليست ككل النساء، فهي المرأة الثائرة على ضفيرة الشَّعر بمقصّ الشِّعر، هي المرأة المحارِبة بقلمها وأوراقها خشيةَ أن يُقعدها الزمن اللئيم، فإذا بها تتقاعد عن الحياة..
هي هذه «آن غراي هارفي» Anne Gray Harvey الشهيرة بـ«آن سيكستون Anne Sexton» الكاتبة والشاعرة الأميريكية التي خرجت عن نص النساء، واختارت أن تُصَيِّرَ نَفْسَها ذلك الوحشَ الذي أبى إلا أن يُدافع عن الحسناء..
بداية القصة زواج وعمر البطلة لم يتعدَّ تسعَ عشرةَ سنة، زواج فاشل ذاك الذي كان من «ألفريد مولر سيكستون Alfred Muller Sexton» وانتهى بطلاق هرَّبَت فيه آن غراي هارفي معها كونَها العائم في شخصيتها المستقلة منذ سنوات حياتها الثانوية في قلب مجموعة التدريس الداخلية، ربما بحكم الانشغالات المهنية التي كانت تُلهي والدها باعتباره رجُل أعمال..
ومع أن آن غراي هارفي أنجبت أبناء، وخصصت الكثير من وقتها لعالَم الطفولة الخفي عمَّن لم يُلهبهم سَوط أسرارها، فإنها لم تتوانَ عن التفكير في شقائق النعمان مِن ذَوات الذوق الحصيف مِن الجنس اللطيف..
نجاح آن غراي هارفي باعتبارها كاتبة وشاعرة لم يُهَدِّئْ مِن تمرد نفسها الثائرة، وأيّ نفس؟! إنها تلك التي خانها زمن الأنوثة، ونَسِيَها ربيع الشباب، فما كان لها إلا أن تَمتثل لموعدها مع الاكتئاب، مع أن كل المؤشرات كانت تقول إن جودة الحياة المريحة والحافلة بالتميز كانت من نصيب آن غراي هارفي بحكم الضمانات التي كانت تَعِدُ بها أحوالُ والدها الاقتصادية..
لكن، هل من الممكن أن نُخَمِّن في أن الرفاهية في وسعها أن تَصِيدَ لحظات السعادة؟!
هل يمكن أن نُفَصِّلَ ابتساماتنا على مقاسات جيوبنا؟!
هل يمكن بأي عملة أن نُخمد بركان الشجن ونَدوس جذوة الحزن حتى لا يستيقظ مجددا؟!
وهل تَكون الحياة المريحة (كما تُصَوِّر للمتعَبين ماديا عقولُهم) عربونَ فرحٍ وجوازَ سَفَرٍ إلى بلاد السعادة بعيدا عن مُخَطَّطات أيّ وزارة تَعِدُ بذلك ولا تُفْلِح إلا بإذن «كُنْ فَيَكون»؟!
مشاكل الذات عند الشاعرات والمفكِّرات أكبر مِن أن تَستوعبها صدور السطور، وتقلبات أجوائهن النفسية وحالاتهن المزاجية أَشَدُّ حَرَجاً مِن أن يُنَظِّمَ حركةَ سيرها شرطي المرور..
أمَا حَدَّثْتُكم عن شرطي المرور؟!
إنه القَلَم، فما بالك بقلم يتصبَّبُ عِطرا أنثويا!
هذه المرأة المحظوظة بقلمها آن غراي هارفي شاء لها القَدَر الرحيم بقُرَّائها أن تتركَ لهم شيئا من ذكراها أكثر من كتبها وحماسها المشتعل اشتعال جمرة لا تطفئها الريح، إنها تُورث القراء موهبةَ ابنتها الروائية ليندا غراي التي تأخذ من أمها أعز ما يُطلَب..
أوهناك أعزّ مِن القلم المشتهى كتفاحة تُغَذِّي الروح وتُطفئ شيئا من الليل المتسربِل من عباءة الوقت؟!
أو هناك أغنى وأغلى من حِبر العبقرية الذي يَرسم خريطة ذاكرة الحرف؟!
ولأن الوقت قاهر وماهر في قتلنا هو الذي لا يخفى علينا أن ذاكرته ضعيفة، فإن هذا الوقت نفسه يُسَيِّج بسِياج من حديد رغبةَ آن غراي هارفي في الانطلاق وقدرتها على استنشاق شيء من الهواء في ظل ظروف لا تُطاق..
عانت المسكينة آن غراي هارفي من تَبِعات السقوط في حفرة الاكتئاب، ولا غرابة أن يَتَرَبَّى الحزن في حضن وسادةِ آن غراي هارفي منذ بداياتها كمشروع أنثى تُحِسّ بأكثر مما تُحس به الأخريات أو يحس به الآخَرون..
إنهم أولئك العابرون الذين لا يترددون في الدفاع عن حق آن غراي هارفي في الارتماء على أريكة الحرف الغنية بأليافها الواعدة بالنعومة، لكنها المسكينة آن غراي هارفي العابث بذاكرتها الزمنُ الماكر حدّ أن يُبَعْثِرَ مدينة جسدها تلك التي صنع بها جفاف المشاعر ما يَصنعه موج ثائر..
بل لنقل إن علاقة آن غراي هارفي الشخصية بوالدها، رغم كل ذلك الهدوء الساكن للناظر من بعيد، لم تَرْقَ إلى مستوى العلاقة المثالية أو أَقَلّ، فقد ظلت حدود التفاهم بينهما موصدة الأبواب، وظل عقلُها يَصرخ رغبةً في مصالحة مع قلبها الجاثم عند الباب..
ولأن «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فَلْنَقُلْ إنه لولا هذا الاكتئاب الذي كانت غرابينه تَأكل من رأس نَفْسِ آن غراي هارفي لَمَا نَصَحَ الطبيب المعالِج مريضته آن غراي هارفي بفتح قلبها للورقة، وصَبّ كل همومها وإحباطاتها الداخلية في قالب الكتابة، والبوح من ثمة بوحا أنثويا يُعيد الروح إلى مُدُن الدفء والسكينة النفسية بعد الاستلقاء على كفّ الشِّعر..
لن ننأى بعيدا عن شواطئ الحقيقة إذا قلنا إن آن غراي هارفي لَمْلَمَتْ في كتاباتها حصادَ تجربة صراعاتها النفسية ومعاناتها بسبب أكثر من نوبة اكتئاب وانهيار عصبي، ولا شك في أن هذه النوبات كانت تقف بها عند باب الحياة الضيق ذاك الذي لا يُقَوِّيك على الصمود ولا يَدْعوكَ بثقة إلى المغادَرة والخروج خروجَ ملائكة وشياطين ما تَوَقَّعْنا يوماً أننا سنَلْتَقِطُ صيحاتهم مَطْرُودِين..
مَن كان يُصَدِّق أن الصغيرةَ آن غراي هارفي تِلْكَ التي خاصَمَها زمنُ عقارب صحراء حياتها الشخصية ستَرْقُص لها عقارِب ساعةِ الإبداع، فإذا بِاسْمِها يُؤَكِّد حضورَه بقوة في كبريات المجلات التي كانت تَسود ذلك العهد، وإذا بها تَكتب بأكثر من عشرة أصابع، وكأنَّ بَحْرَ تركيبتها النفسية يُشَجِّعُ مَرَدَتَه على الكتابة معها لتَخرج هي آن غراي هارفي إلى القُرّاء بما لا تَقْوَى ذات واحدة على كتابته..
أكثر من هذا، فإن صاحبتَنا الشاعرة والكاتبة قد نجحت في الوصول إلى مراكز القرار الإبداعي وتَمَّتْ دعوتها إلى أكثر من منبر حُرّ، لا بل فوق كل هذا حَظِيَتْ آن غراي هارفي بزمالة وصداقة عدد مِن الأدباء والمبدعين والمثقفين، ونالَتْ من الأوسمة ما لم يَنَلْهُ غيرها في زمنها..
كتبَتْ آن غراي هارفي للأطفال، كتبَتْ عن العلاقات الممكنة والمستحيلة بين البنات والأمهات.. لِتَلي ذلك قائمة التصريحات التي اسْتَدْرَجَتْها إلى أكثر مِن موضوع لم يَكن مِن السهل على الكاتبات الإناث أن يَقْتَحِمْنَه بجُرْأة، كما كان من الصعب على الكُتّاب الذكور أن يَقفوا عنده بدِقَّةِ قلمٍ أنثوي يُجِيد التعبير ويُجَمِّل التصوير..
غير أن مفاتيح غُرفة الحياة المظلمة تَخون يَدَيْ الشاعرة المتألقة والمتأنقة بحروف شخصيتها، فإذا بنا نراها قد أغلقَتْ نافذتها المفتوحة على الحياة بعد أن اسْتَسْلَمَتْ هي المرأة للانتشاء بفكرة حَبس الهواء والتَّقَلُّص تحت ضغط دخان عادم السيارة..
دائرة الحياة ضيقة، ودائرة الموت أكثر ضَيْقاً منها، وما على النفس المعذَّبة إلا أن تُحارِبَ لِتُدْفَنَ حَيَّةً، أو تَتَأَهَّب لمعركة الصُّمود داخل نَفَق الحياة الأسود إلى أن يَنْجَلي الليل..
بعناوينها الشقية التي اختارتها لكُتُبِها، مثل «عِشْ أو مُتْ Live or Die» و«دفاتر الموت The Death Notebooks»، وبجُرْعَات الجرأة الزائدة عند إقبالها على كل ما كان يُشَكِّل «طابُو» في وقت من الأوقات، نقول إن آن غراي هارفي عَمِدَتْ إلى سياسة البحث عن الاختلاف، تتقدَّمُها ثقافةُ «خالِفْ تُعْرَف» وبالْمِثل تَقُودها بَوْصَلَةُ «خالِف تَعْرِفْ»..
كان الشِّعر في حياة آن غراي هارفي بمثابة بصيص الأمل الذي يَمُدّ أَذْرُعَه لِيَدْفَعَها دفعاً على طريق الحياة بفضل تشجيع المعالج المباشر لحالتها، فبهذا فقط أشرقَتْ شمسها وما غاب عن ليلها قمر يُلَيِّنُ حذاءَ الرغبة في المضي حتى لا تَزهد المسافاتُ في الحذاء..
لكن لماذا توقَّفَتْ الحياة ولم يَعُدْ سُلَّمُها يتمدد بعد عمر استغرق 46 سنة؟!
هل هي لعنة الموت أفقدَتْها آخِرَ نَفَس ما عاد بوسعه مدّها بشيء من الطاقة للمجازَفة بأيام أخرى؟!
هل هي السكتة الشعرية وَشْوَشَتْ لِقَلب آن غراي هارفي لِيَتوقف عن النبض بعد أن تَعَطَّلَتْ مضَخَّة الأصابع؟!
أم أن كاتبتَنا المميزة التي صَيَّرَت المرأةَ قضيةً وفكرةً لا تَخونها المواضيع الأنثوية، قد أَفْرَغَتْ كليا حقيبةَ الأنثى بِقُفّاز الكاتبة، وما عاد ثمة ما يَستحق الدفاع عنه في مساحةٍ زمنية قد يَخجل فيها الرَّجُل نَفْسُه مِن أن يَفتح صناديقَ أغراض المرأة أو يَتَسَلَّل إلى دُرْجِ فُوَطِها الصحية أو يُعَرِّيَ ذاكرتَها الجسدية أو يَزحَف كالطُّفَيْلِي إلى مجالِس ثَرْثَرَتِهِنَّ التي تُزيل سَقفَ غُرَف نَومهن وتَجعله يُحْصِي عددَ أشيائهن الخَاصَّة الْمُلْقَاة على الأرض باسْتِثْناء الجَوارِب وأَقْرَاط الأُذُن..؟ !
بقلم: سعاد درير

سعاد درير