كتاب وأراء

يا ظلام السجن خيم

المحتل هو نفسه المحتل.. هو الظالم.. هو المختل.. هو القاتل.. هو المعتل.. أعلنوا أن الإفراج عن المعتقل أمس.. واستعدت القرية واستعدت الأسرة والزوجة والأولاد.. الذين ذهبوا ينتظرونه إلى مدخل المعتقل وانتظروا.. حتى الغياب وإغلاق الأبواب..
لقد عادوا عن قرارهم.. وأرسلوا الأسير إلى المعتقل الإداري.. لتتكرر الحكاية.. حكاية كل زوجة وأم وابن وأخت أسير..
بالأمس أرسلت لي زوجة أسير خاطرة تصور حالة وطن كله في الأسر وشبابه في المعتقل تقول:
في باص الصليب الأحمر الدولي الذي يجوب فلسطين من بحرها إلى نهرها ومن شمالها الجبلي إلى جنوبها الصحراوي ينقل أمهات وآباء وزوجات وخطيبات الأسرى.. جلست على باب السجن وكتبت هذه الخاطرة..
من مُفارقات الحياةِ أن تكونَ أغلى التذاكر في العالم تذكرة تُمكنك من رؤية من أحببت، زوجاً، ابناً، أباً، أخاً، أو أماً. وتستطيع من خلال هذه التذكرة التجوال من شمال فلسطين لجنوبها بشيكل (ريال) واحد فقط.. عن تذكرةِ باصِ الصليب الأحمر أَتحدث.
}}
ومن المُفارقات أيضاً أن ترى الشاب اليافع يزور والده الخمسينيْ وتتأمل منظرهما يُحدقان ببعضهما البعض من خلف زجاج الزِيارة اللعين، هما صورةٌ طبق الأَصلِ عن بَعضِهما البعض وتسرحُ بِخيالكَ عائداً للوراء عشرين عاماً أو يزيد. متخيلاً ذاك الشاب طفلاً صغيراً يُحدق في وجهِ والده متسائلا لمَ لا أستطيع الرجوع برفقة أبي للمنزل؟ والفارق الوحيد اليوم هو أنَّ الطفل بعد أن بَلغَ أَشُده عرف إجابة سؤاله، لكن لم تتغير ولم تنقص رغبته بالرجوع للمنزل برفقة والده..
.. عن الشيخ الجليل جمال الطويل وابنه أثناء الزيارة أتحدث.
}}
من المفارقات أن تَجلس في قاعة الزيارة وعن يَمينك امرأة حامل أغرورقت عيناها بالدموع لعدم تَقبلها فكرة أن تَستقبل مولودَها الأول وحيدةً بلا والده. وعن يَسارك فتاة عشرينية تلبَسُ مَحبس الخطوبة وتذرف الدموع وقت وداع خطيبها الذي لا تعرف كم ستنتظره، وتسرح أنتَ بخيالك بعيداً مشفقاً عليهما لأن أمامهما مشواراً لا تُدركان صعوبته وتحدياته وكل ما تستطيع قوله لهم «بتهون بإذن المولى بتهون»..
.. عن نساء جديدات في المحنة أتحدث.
}}
من المفارقات أن يتساءل الأسرى الشباب عن وداعي لزوجي بابتسامة عريضة وسط بحر الدموع المنهمر من حَولنا من عيون وقلوب نِسائهم وأُمهاتهم عندَ انتهاء الزيارة، ويجيبهم أبو عمرو مبتسماً «ستودعكم نساؤكم بابتسامة بعد الاعتقال الحادي عشر، فلا تَستعجلوا»..
.. عن عيون وقلوب أتقنت فن الكتمان أتحدث.
}}
وحدها إسرائيل التي لا تسألها الأمم ومنظماتها عن انتهاك حرية وحقوق الإنسان.. اعتقال تعسفي.. سجن إداري.. قتل.. هدم بيوت.. انتهاك حقوق المرأة والطفولة..
كلمة مباحة..
حين يختفي ضوء النافذة الصغيرة يرتفع الصوت من زنازين المحتل: يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلام..
بقلم: سمير البرغوثي

سمير البرغوثي