كتاب وأراء

قُلْ للمليحة.. وبيع الوهم

د. سعاد درير

المليحة مِن النساء هي من المؤكَّد امرأة حسناء، امرأة يُضْرَب بها الْمَثَل في الحُسن والبهاء، لذلك لا غرابة أن يذكرها أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب «الأغاني»..
والمناسَبة؟!
المناسَبة أنّ تاجراً كان مُغْرَماً ببيع الخُمر ثارَتْ ثائرتُه، والقصد بالخُمُر هو ذاتُه ما يَعنيه الخِمار بوصفه قطعة الثوب التي تَضعها المرأة على رأسها وتَلْتَحِف بها.. فَلِمَ استشاط التاجر غضباً؟! لا لشيء سِوى أنه باع كل ما كان يَملكه مِن خُمر بشتى الألوان، فلم يَتَبَقَّ سِوى الأسود منها.
وجد التاجر أنه سيَخسر كثيراً لو ظل محتفظاً بتلك البضاعة الكاسدة، فلما زهدت فيها النساء فكَّرَ التاجر الحائر بذكاء وهرول إلى صديقه الشاعر «الدارمي»، فلعل الشاعر بهمه يُملي عليه حلاً فورياً ينقذه من شبح الخسارة.
الشاعر الدارمي الحكيم، ويقال إن اسمه ربيعة بن عامر، كان في سابق زمنه يتغنى بصوته الحلو الشمائل، وذاع لوقت اسم الشاعر بوصفه عاشقَ الغناء، لكن لكل كبوة آخِر، وهنا استقام الشاعر وحَوَّلَ قدميه عن باب اللهو والمجون ليقصد باب الله وأعتاب المساجد.
فكر الدارمي الشاعر في أن يُقَدّم يدَ العون لصديقه التاجر، فقال له: تمهل، ثم أنشد قائلاً:
«قُلْ للمليحة في الخِمار الأسود
ماذا فَعَلْتِ بناسك متعبِّدِ
قد كان شَمَّرَ للصلاة ثيابه
حتى وقفتِ له بباب المسجدِ».
ويُضاف إلى البيتين بيت ثالث يكشف جانباً مِن تاريخ الغَزَل عند الشاعر، فيقول:
«رُدِّي عليه صيامه وصلاته
لا تَفْتِنيه بحقِّ دِينِ محمَّدِ»..
خِطاب الشاعر الدارمي للمليحة كان من الطبيعي أن يَطير على جناح الشوق إلى فَمٍ يَعرف كيف يُجيد الغناء، فما هو إلا وقت قصير حتى ملأت أغنية «قُلْ للمليحة» السماءَ والروحَ..
والنتيجة؟!
لا شيء سِوى أن الشاعر نجح في ما خطَّطَ له، وسرعان ما جاءته البشائر من صديقه التاجر الذي أَقْسَمَ أن الخُمُر السُّود بِيعَتْ كُلُّها في زمن قياسي بعد تَهَافُت النسوة اللواتي سَمِعْنَ مَن يَتَغَنَّى بأبيات الشاعر وطَمعنَ في قطعةِ خِمار سوداء..
لكن ماذا عن الشاعر الدارمي؟!
بالتأكيد ما كان الشاعر الوَرِعُ ليَعود إلى سيرته الأولى، فقبل أن ينتهي التاجر من بَيْع بضاعته الكاسدة كان الشاعر قد وَجَّه بوصلةَ قلبه إلى اتجاه القِبلة ليُجَدِّدَ ميثاقَ التزامه الواعد بالتقيد بحبل الله والْمُضِيّ على خُطَى هديه.
إنها خدعة بسيطة على شاكلة «الكذبة البيضاء» التي يُراد بها وصل ما انقطع، لكنها في الوقت نفسِه مَهَّدَت لفن التسويق وصناعة الإشهار، وكانت تلك بداية ظهور الإعلان..
مِما يروى هنا وهناك، نَستشِفّ عبرةً ونتعلم درساً: فليس كُلّ ما يقتحم أبواب الأُذن والوجدان والقلب يُطرِبُ العقل، ومِن هنا وَجَبَ على ذوي الألباب ألا يَثِقوا بكل ما يَعزف له مَن يَعزفُ ويُطَبِّلُ له مَن يُطَبِّلُ..
ما أكثرَ مَن يَبيعُ الوهمَ في زمن تنويم العَين والأُذن.. لكن هنيئاً لِمَن لا يَنام في جوف رأسه عقلٌ! تَرَيَّثُوا، ولا تُصَدِّقوا تُجَّارَ الكلام!
نافِذَةُ الرُّوح:
-«أما آنَ لكَ أن تُقَلِّمَ أظافرَ تَعَبي خَشيةَ أن يَخدش الروحَ الراكضة بلا حصان؟!».
- «دَعيه يا قُيودَه، ولْيَقُلْ كلمتَه الأخيرة، لكن ثِقي بأنني لن أَرْحَمَه، لن أَرْحَمَه..».
- «كشَفْتُ لعبتَكَ السخيفة يا فأرَ الزمن يا وَقِحُ، اُهْرُبْ، اُهْرُبْ ما شاءَتْ لكَ قدماكَ، فالهواء والهوى مَصيدتي».
- «أراقبُكِ عن كَثَب يا عقاربَ ساعة الزمن الموحِش، لن تَكوني أَسْرَع من رغبتي في الانتقام مِنكِ».
- «قُلتُ له: اُصْمُتْ، قال: «لا».. سَأُسْقِطُ طائرتَه الورقية، ولْيَحْتَرِقْ حُلمُه».
- «مَهْلاً يا صغيري.. (تَقول بالونةُ الشَّكّ مُداعِبةً)، فَيَرُدّ قَلمُ اليقين: اِجْمَعي حقيبةَ هوائك وارْحَلي قبل أن أنْتَفِضَ غاضباً».
- «ههههههه..! نِلْتُ مِنْكِ كما لم تَتَوَقَّعِي ضَرْبَتي يا صَراصيرَ الوهم الطائشة، اُغْرُبي الآن عن وجهِ حقيقتي واتْرُكِينا بِسَلام».

سعاد درير