كتاب وأراء

التعليم ودور مؤسسة الأسرة

إنَّ الرجال لا يُولدون، بل يُصنعُون، وأُولى مصانِعُ الإنشاء هي مؤسسة الأسرة التي تلِد الأجيال وتكونها وتدفع بها إلى المجتمع ليُكمل معها عملية الإنشاء والتكوين بين دوي التربية والتعليم اللذين يُنتجان إذا نجحا؛ الفرد الصالح الفاعِل في نفسه ومجتمعه ومحيطه القريب والبعيد.
يلعَبُ الوالدان أدوارًا كبيرة في إنجاح العمليَّة التعليميَّة، فلا يُمكن أن تقوم مُؤسسة المدرسة أو الجامعة بأدوارها المنوطة بالشكل الصحيح والكامل إلا من خِلال مشاركة جادّة من قبل الوالدين في مؤسسة الأسرة التي تلعَبُ دور التربية والتعليم جنبًا إلى جنب مؤسسات التعليم في المجتمع المدني، فالأُسرة التي تُشارك أبناءها في عملية التعليم وتتابعهم عن قُرب وتكمِّل دور الأستاذ والتعلِّم في المنزِل تجني بشكل مباشر ثمار هذا الجُهد، وعلى العكس تمامًا، نجِد أنَّ الأُسَر التي تكتفي بتوفير كُل ما هو مادِّي لأبنائها لإكمال تعليمهم دون متابعتهم ودون الحرص على تحصيلهم التربوي والعلمي على حدٍّ سواء؛ تخسر كثيرًا ولا تحقق توقعاتها المرتفعة من تحصيل أبنائها وفي النهاية تجد أنفسها تلوم أبناءها لوحدهم على تقصيرهم الدراسي دون الالتفات إلى مزيدٍ من الحرص على المتابعة والمشاركة مع إدارة المدرسة أو المعهد أو الجامعة في بناء هذا الإنسان الذي تتشارك جهات مختلفة في تشييده، وتبقى الأُسرة هي أهم الجهات التي تزرع وعليها أن تروي بشكل مستمر هذا الزرع حتى تُحقِّق منه الحصاد المنشود.
قارئي العزيز، في دراسة بحثيَّة قام بها الأستاذ الدكتور محمد الحواري نشرت في مجلة البحوث التربوية وعُنيت بطُرق رعاية المتفوقين عقليًا، أظهرت النتائج ما يلي، أولًا: أن النمو العقلي للمتفوق لا يمكن أن يحدث إلا من خلال التفاعل المتبادل بينه وبين محيطه الخارجي وما يحويه من مؤسسات للتنشئة والرعاية (البيت والمدرسة تحديدًا)، ثانيًا: إذا توافرت شروط الحماية الانفعالية الخارجية كالمودة والمحبة والثقة والطمأنينة؛ فإن المتفوق سينمو إلى أقصى درجة مما تسمح به قدراته اعتمادًا على نشاطه الذاتي ويكون أكثر جرأة ورغبة في المبادرة وأكثر قدرة على التحكُّم في الشروط الداخلية والخارجية الناسبة للنمو العقلي والتفوق والتميز، ثالثًا: يستطيع المتفوق عقليًا أن يوسِّع باستمرار مداركة عن طريق التفاعل الإيجابي مع بيئته الاجتماعية القريبة وما تقدمه له من مؤثرات ومثيرات، رابعًا: يُعد المحيط الاجتماعي المصدر الأول والأساسي لأنشطة المتفوقين عقليًا ولأهدافهم المختلفة، فالأفراد القادرين على الاستفادة من مثيرات محيطهم الخارجي ويستطيعون استثمار ذلك بذكاء؛ يكون بمقدورهم اكتشاف أساليب التعامل بأنفسهم والتي لم يتعلموها ممن يقومون على تربيتهم وتعليمهم، خامسًا: إن تشجيع الاسرة لهؤلاء الأفراد الأذكياء ليوسعوا محيطهم المعرفي بأنفسهم من خلال إطار متابعة موجَّه؛ يُساعدهم على إيجاد فرص تعليم وتواصل أوسع ويُنمِّي قدراتهم الإبداعية بدرجاتٍ كبيرة.
إنَّ العلاقة بين المنزل وبين مؤسسات التعليم في المجتمع من مدارس ومعاهد وكليات وجامعات عليها أن تكون علاقة تكاملية، تتسم بالاستمرارية والمشاركة وألا تكون حدثُا موسميًا عارضًا، أو مشاركة بروتوكوليَّة جافَّة، الكثير من المدارس على سبيل المثال تحرص على أن تُسلِّم تقارير أسبوعيَّة أو حتى شهريّة لأولياء الأمور؛ كي يتابعوا مسيرة أبنائهم التعليميَّة، ولكن أعتقد أنَّ الأمر بحاجة إلى مزيدٍ من التواصل المستمر، عبر دمج الأسر في مجالس دورية ويكون لهذه المجالس دورها وأنشطتها النظامية ضمن الأنشطة المدرسيَّة. العلاقة إذن ذات اتجاهين، الأسرة عليها أن تتكامل مع مؤسسات التعليم في المجتمع والعكس صحيح، ولا يتم ذلك من خلال الادعاءات التنظيرية، إنما من خلال تنظيم فعاليات دوريَّة مشتركة يتدخَّل في تنظيمها وتفعيلها الطرفان تحقيقًا لهدف العملية التعليمية المنشود.
***
يقول ابن القيم رحمه الله في مؤلَّفِه (تحفة المودود بأحكام المولود): «فمن أهمَلَ تعليمَ ولدِهِ ما ينفعه، وَتَرَكَهَ سُدى، فقد أَساءَ إليه غايةَ الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إِنما جاء فسادُهُم من قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهِم فرائضَ الدينِ وَسُنَنَه، فأضاعوها صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كِبَارا».

خولة مرتضوي