كتاب وأراء

القرار القطري للتقاضي الدولي بين الرياض وأبوظبي

هذا أبرز تصريح يصدر مباشرة، ومن شخصية كبيرة في الدوحة، وهو الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، أن قطر أنهت ملفات الخسائر، وستشرع قريباً، في التوجه إلى القضاء الدولي، للحصول على التعويضات المستحقة لأضرار الحصار.
جاء هذا الإعلان، بعد مرحلة إعداد ضخمة عملت عليها قطر، من خلال عدة مؤسسات، ولم تصرح باستخدام القضاء الدولي، إلا متأخراً، لعدة أسباب، من أهمها إبقاء الموقف الخليجي الاجتماعي، في دائرة المراعاة، وإعطاء وساطة الشيخ صباح الأحمد، أقصى مدى ممكن، وترك عجلة الرد القطرية، تُنهي مساحة الأمن الدفاعي، والجهد الدبلوماسي ثم العلاقات العالمية، والتي كقراءة مستقلة يتبين فيها حجم النجاح، والتفوق القطري.
ومن ثم تتهيأ الفرص كلياً، وتكون الدوحة أيضاً، في كامل العذر، وخاصة أمام الوساطة الكويتية، التي لاتزال تُوَاجه بعوائق رغم الانفتاح النسبي معها من الرياض، بعد الخسائر السعودية الضخمة، التي تسببت بها الأزمة للرياض، وبسبب سياسة القمع الداخلية، وكانت قضية الشهيد جمال خاشقجي، هي المفصل الأكثر تأثيراً.
وحتى مع الوصول إلى تسوية مع واشنطن، في حال استكملت أنقرة مرحلتها، التي لم تنجح عبرها في إبقاء الملف في يديها، فإن المهمة الأميركية، التي تُعَد للسعوديين في مطابخ واشنطن، ليست سهلة مطلقاً، بل تكاليفها باهظة على الرياض، التي تقدم كل المبررات لتفاقم الخسائر، عبر تطويل عمر الأزمة مع قطر، والقمع المتزايد للإصلاحيين، وتهديد مقدرات الشعب السعودي الاقتصادية، واستقراره الاجتماعي.
ونلاحظ هنا هذا المفصل المهم في المقارنة، بين الارتياح المتزايد لصالح قطر داخلياً وخارجياً، وتفكك كامل الحملة التي استهدفتها من دول المحور، في حين تُعاني الرياض من صعوبات بالغة، ومصادمات دبلوماسية، واشتباك مع الإعلام الغربي، خاصة الأميركي، وإن بقيت اللعبة في نهاية الأمر بقبضة مصالح الأمن القومي لواشنطن، وشروط تأهيل النظام السعودي الجديد بحسب تقديراتها.
هذا النجاح القطري عزّز إشكالية ملفٍ عميقٍ جداً، أكده فوز القطريين في كأس آسيا، وسيكولوجية التعامل تثبت تأثيره، وهي مشاعر الغيرة المجنونة، التي أحاطت بأبو ظبي وسيطرت على قرارها، والدور الحقيقي لفوز قطر بتنظيم كأس العالم 2022، في مشاعر صناعة القرار، حيث لا يُمكن مطلقاً، أن يتم تجاوز هذا الملف.
الذي كان يُعتبر عبثياً سابقاً، في حسابات التعامل الدبلوماسي الدولي، وأصبح سابقة في قضية الأزمة الخليجية، وهو في الحقيقة مؤشر مهم، لحجم غياب المؤسسات الدستورية المنتخبة، والشراكة الشعبية، التي تمنع مشاعر الطغيان للفرد، من التلاعب بمصالح وطنه ومنطقته، حين يحوّل كل الوطن جزءًا من الثروة الشخصية للمستبد.
هنا مراقبة المشهد والتصريحات المشابهة للفانتازيا، وهي مواقف معلنة، تؤكد في الحقيقة أثر هذه المشاعر الكارثية، على سياسة الدول، وهو ما يعقّد ملف الأزمة فعلياً، ويُصعّب أي جهود للوساطة، غير أن هناك خيطاً رفيعاً مهماً أن يُرصد، وهو أن أبو ظبي رغم كل خطابها التحريضي، وقيادتها لقرار الحكم الجديد في الرياض، إلا أنها تراعي بصمت مساحة خسائرها في التقاضي الدولي، كون أن الإمارتين أبو ظبي ودبي، وهما اللذان يشكلان عمود الدولة الاتحادية، تراعى فيهما الحسابات الاقتصادية بدقة، رغم اللغة العدائية لأهل قطر، وإشراف أبوظبي على تشكيل الفريق اللوجستي، الذي فجّر العلاقات مع الدوحة منذ عهد الملك عبدالله، والتصفية السياسية لجزء منه، كما جرى مع الأمير متعب وأ. خالد التويجري.
أما الملف الأخطر في التقاضي الدولي، الذي تجنب وزير الخارجية القطري تسميته، فهو مسؤولية الرياض عن قرار التفويج القبلي، لاجتياح الحدود وإعلان مسؤوليتها عنه، خاصة عبر لسان المستشار في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني، وحتى هذه اللحظة، لا يوجد أي مؤشر لتقدير الرياض لخطورة الدفع بهذا الملف، الذي يؤثر عليه أيضاً مستقبل فريق أبو ظبي في الديوان، هل سيبقى أم ستتم تصفيته، للتخلص من ملفه.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل