كتاب وأراء

قطاع الطباعة والنشر.. واقع وآمال وأحلام

يُعتبر قطاع الطباعة والنشر من القطاعات الوليدة والنامية في دولة قطر التي تحتاجُ إلى دعمٍ جاد من مختلف قطاعات الدولة الحكومية والخاصة، فالدعم الحُكومي يكمُن في السماح بإنشاء المزيد من دور النشر والمطابِع المحلية ودعمها ماديًا ولُوجستيًا، وتفعيل التعاون مع مختلف مؤسسات المجتمع المدني بينها وبين دُور النشر من أجل تطوير كُتّاب وباحثين في مختلف المجالات والقطاعات التي تحتاجُها الدولة علميًا ومعرفيًا وسدّ ثغرات المكتبة المحليَّة القطرية من خلال إنتاج المزيد من الإصدارات الهادفة التي تُعالج وتبحث في مختلف القضايا محل النقاش والدراسة، إضافة إلى سَنّ القوانين التي تُنظِّم عمل قِطاع الطباعة والنشر وتحديث قوانين الملكية الفكرية؛ بما يُحقِّق أهداف التنمية المستدامة، وكذلك تحمُّل تكاليف النقل والمعوقات الجمركية للمطبوعات، واستحداث مسابقات أدبية وفكرية تُكرَّم فيها دُور النشر الفاعِلة والمنتِجَة كُلّ عام وفق شروط وضوابط منهجيَّة ومعتبرة، إضافة إلى طرح مسابقات وجوائز دولة لتقدير جُهود المؤلفين في هذا القطاع العريض وتخصيص لجنة عُليا تقوم بدراسة إنتاجات المؤلفين المختلفة وتقييمها تقييمًا منهجيًا موضُوعيًا سليمًا.
أما الدعم الخاص لقطاع الطباعة والنشر في البلاد، فيتأتَّى من خلال مبادرات القطاع الخاص لرعاية وتسويق المنتجات الفكريَّة والمختلفة التي تستصدرها دُور النشر المحلية، إضافة إلى تنظيم ورعاية فعاليات فكرية ومناشِط تدريبيَّة وبحثية بُغية تطوير الكُتّاب والباحثين في مختلف المجالات وتحسين منتجاتهم الفكرية المُعدّة، ويبقى التأكيد على فكرة أنَّ الكاتب في عالم اليوم لا يهدِف إلى أن يجنِي ذهبًا من منتجاتِهِ الفكريَّة، فهو في النهاية يتحصَّل على نسبة زهيدة من مبيعات كتابه، لكن الهدف الأكبر للكاتِب النزيه هو تصدير منتج فكري وعلمي رصين (نضالُ الكلمة والتنوير) يبتغي منه تحقيق هدف بنائي إيجابي رصين في المجتمع.
وأعتقد أن القطاع الحكومي عليه أن يتعاون مع القطاع الخاص من خلال توقيع الاتفاقيات والمذكّرات والشراكات التي من شأنِها أن يتم تنظيم المزيد من العمل المتبادَل في قطاع الطباعة والنشر، وذلك للوصول إلى صناعة متكاملة لقطاع الطباعة والنشر والتوزيع، والخروج من تحدِّيات ارتفاع أسعار الطباعة المحلية واللجوء إلى المطابع الخارجية في الدول المجاورة ذات الكُلفة الزهيدة والإنتاج الاحترافي، مثل: تركيا ولبنان وإيران وغيرها. ويُمكن للقطاعين الحكومي والخاص، على سبيل المثال، المشاركة في تدشين جائزة قطر المعنيَّة بالطباعة، وتُعنى هذه الجائزة مثلا بتسليط الضوء على صناعة الطباعة في قطر وفتح باب التنافُس الشريف بين المطابِع المحليّة الوطنيَّة وذلك بهدف مكافأة الأداء المتميز وتكريم الإنجازات وبالتالي تقديم منتجات طِباعيَّة محليَّة ذات جودة ممتازة وعالمية.
قارئي الكريم، إنَّهُ على دور النشر المحلية أن تتَّبِع فلسفة «البيع» الناجح في القرن الواحد والعشرين، والتي تعتمد على العناصر التالية: الفكرة الجذابة، التسويق الجماهيري متعدد الوسائل، الفضول والاستفزاز، وفي هذا الجانب أذكر أنَّ بعض دور النشر العربية تقوم باتباع سياسة إيجابية وهي طباعة نسخ محددة من أي إصدار جديد، خاصة الدور التي تتحمل تكاليف طباعة العمل بالكامل، وذلك كي تضمن أولًا «بيع» تلك الكمية في أقرب أجل، ومن ثمّ دراسة إمكانية إعادة الطباعة بناءً على حجم الطلب والاستهلاك. ثانيًا: كي تعلن عن انتهاء الطبعة الأولى وعدم توفرها في الأسواق، الأمر الذي سيؤدي إلى تشويق المهتمين وفضول غير المهتمين في نفس الوقت، فيسهُل على الدار بالنتيجة تسويق وترويج الطبعة الموالية وهكذا دواليك!
إنَّ النشر يُعتبر صناعة مهددة بالإفلاس، تُهددها العوامل السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والعلميَّة والمهنيَّة، وستُصبح هذه الصناعة مُفلسَة لا محالة إن تقاعسَ عنها الدعم الجادّ (حكوميًا وخاصًا)، ففضاءات النشر الإلكتروني اليوم أصبحَت تُنافِس المطابِع ودُور النشر، ويبقى أن تتعاون الجهات العُليا على دعم قطاع النشر والطباعة، فدور النشر المحلية في البلاد هي بمثابة مشاريع حضارية ونورانيَّة تُنتَجُ فيها الصناعات الثقافية وتسجَّل ضمن دفّات كُتبها أجزاءً كبيرة من التاريخ القادم لهذه البلاد، وعليه فإنَّ الدعم؛ حاجَةٌ ماسَّة جدًا، فهذه الدُور سُرعان ما ستنصدِم بجُملة التحدّيات التي تواجِهُها لوحدِها في هذا الفضاء وأخشى أن تتقاعَس دُورنا، في ظِل غياب الدعم الجادّ، عن استمرارها في مشروعها الثقافي الحضاري هذا.

خولة مرتضوي إعلاميَّة وباحِثَة أكاديميَّة- جامعة قطر
khawlamortazawi@gmail.com

خولة مرتضوي