كتاب وأراء

انبـلاجات قـاب قوسـين

إذا كان كتاب «المواقف والمخاطبات» للنفري يرصد سيرة العبد السالك الباحث عن الحقيقة المطلقة في دربه الوعر إلى معارج الذات الإلهية، فإن الكاتب والممثل المسرحي عبد الحق الزروالي يحاول المزج بين السيرة النفرية وبين سيرته الذاتية مكاشفا تارة ومسائلا تارة أخرى. وهو مزج يسعى إلى تذويب علاقة الإنسان بالقدر وبالذات الإلهية على صفيحة السؤال الساخنة التي ينفخ في نارها القلق الوجودي المشحون بالبحث عن الحقيقة المطلقة.
تقوم مسرحية «كدتُ أراه» على اللغة العربية الفصحى في أساسها. وهو اختيار يستقيم مع خصوصية النص الصوفي الذي اشتغل عليه المؤلف، ألا وهو كتاب «المواقف والمخاطبات». من هنا يتفق حضور اللغة العربية الفصحى بكل ثقلها مع الحمولة التاريخية التراثية للمتن الصوفي اعتبارا للعلاقة القديمة القائمة بين التاريخ والتراث والفصحى. وهذا نص للتمثيل:
«علمني أن الحجب خمسة كرما منه وبدون مقابل: حجاب أعيان، حجاب علوم، حجاب حروف، حجاب أسماء، وحجاب جهل. الله! الله! أتاني من كل شيء... ما أكره وما أهواه. علمني أن أكون عبده الفارغ من سواه. قال: تلك بداية الطريق إلى الحضرة...» [مسرحية «كدتُ أراه»].
غير أَن المؤلف عبد الحق الزروالي يكسر هذا الثقل التاريخي للغة ليرقع النص بعبارات دارجة. وتبدو عملية الترقيع هذه مجانية في كثير من الأحيان:
- أولا: لأن الحمولة التاريخية الصوفية لا تحتمل الرش بالتدريج الذي قد يجني على خصوصية المتن والموضوع ولا يليق بهما. وهذا لأن الأصل أن يَكون لكل مقام مقال.
- ثانيا: لأن الشيء إذا زاد عن حَدّه انقلب إلى ضده. والزروالي لم يَزد فحسب، وإنما أَغْرَقَ النص بالحَشْو والمبالغات، وكاد هذا يُضيع الجهد الذي بَذَلَه في مسرحة نص المواقف والمخاطبات بكُلّ حرفية. ولْنُعايِن النموذج التالي على سبيل المثال:
«رأيت الشعاشع ظُلمات تَلمع، والمياه حجرا يَدمع، فاحذرْ أن يُصيبك مَسّ مِن الجنون، ولا تَسألني عن الكائن والممكن والمكنون، عن الكون والكون كله ما سِواي شئت أم أبيت. أنت واقف في بحر، فاركب البحرَ وابحثْ: إن كنتَ عبدي فلك البحر، وللبحر أنت. لاء... لاء... لاء... أريد حقي، حاجتي من الخبز والماء، حاجتي من القميص والخباء، من الأنعام والأبناء، من المال والنساء... اشْنُو؟ الْمْرا ضلعة عوجة؟! (انتَ بعدة مسكَد؟)... عندك الصح: هاذي غير وحدة وشوف آش دارت بيا؟ ناري لو كان عشقت اربعة! واش فيها؟ اسمع، ما حد الروح تهبط وتطلع والعبد يطمع. من حقي نعشق ونترجى، أريد حاجتي لأكون الحجة... للي قالوا هاذاك: الى شفتي الديك مْنوّض العجاجة، عرف باللي خاصّو دجاجة... عمر كامل وأنا أبحث: شرّقتُ حتى تقشرت، غرّبتُ حتى تغبرت، أبحث، أبحث... في أنين العود، في حنين الرباب، ورنين الناي، أبحث عن مبتغاي... لأدرك معناي... أبحث من خلال ما بدا وتجلى... من خلال ما اندثر وولى... وراه كنهضر بصّح كّالا كنتفلاّ... فآه ثم آه... ولا يلاها يلا الله، ولا يلاها يلا الله...» [مسرحية «كدتُ أراه»].
ولعل أهم ملاحظة يسجلها المتلقي «1» بخصوص اللغة هي أن المؤلف يتصرف بالتدريج غالبا في نص تجربته الحياتية. ومعنى هذا أنه يحفظ لنص النفري بعض رصانته وتساميه من خلال حفظه لاعتبار الفصحى نسبيا. والسؤال: لِمَ تدريج نص السيرة الحياتية للمؤلف؟! وهل تستقيم لغة هذا النص بهبوطه أحيانا مع لغة النص الصوفي النفري بكل تساميه؟!
حفظا لاعتبار النص الصوفي كان يَجدر بالمؤلف أن يَعمد إلى تفصيح مخزونه الحكائي السِّيرذاتي، وهذا لأن التصرف في لغة نص تجربته الشخصية أوشك على أن يبلغ بالنص مراتب الإسفاف. صحيح أن تصرف المؤلف يترك الانطباع بأنه سعى إلى الدارجة من باب التمييز بين المعيش والتاريخي، غير أن حضور الدارجة بالشكل الذي هي عليه يتعارض مع الشكل الباذخ لحضور الفصحى. والسؤال مرة أخرى: ألم يجد المؤلف مَدخلا يُذكَر للرفع من شأن الدارجة بكل ما في الدارجة من انسياب وشاعرية بعيدة عن الكلفة والتصنع؟! وإلاّ متى كانت البساطة حد التسطيح سمة تُسَيِّج استخدام الدارجة في معرض تأشيرها على الواقعي والمعيش؟!
يبدو، وهذا أغلب الظن، أن المؤلف (الزروالي) حاول أن يغلف نصه بالدارجة، والنتيجة أنها قيّدته وحدّت من انفلاته. فالملاحَظ أنه لم يَسْتَسِغْ نصه اللساني بدون هذه التعابير الدارجة التي تمثل في نظرنا ملح الطعام بالنسبة له، ربما ليعطي لنصه بعض الواقعية. والحقيقة أن هذا التوظيف للعامية لم يكن في محله، لأن اللغة التي كُتب بها النص لغة صوفية تحقق للنص نوعا من التسامي وترفعه إلى مراتب الإيحاء ليشعّ بنبض الروح ويحلق في سماوات المطلَق والمجرد. في حين أن محاولة مَغْرَبَة بعض مقاطع النص تَنزل به إلى مستوى النثرية الواقعية، فما بالك بتلك المسحة الزروالية؟!
إن النص اللساني في مسرحية «كدتُ أراه» لا يقف عند حدود عرض قضية محلية، وإنما يرصد معاناة رحلة روحية وإبحار روحي في عوالم التصوف. وتلك المسحة الزروالية التي جعلت مُعِدّ النص يُطَعِّم النص بألفاظ وتعابير من قاموسه الخاص لم تفلح في إغناء النص بشيء. وبالتالي كان على الزروالي أن يحتفي باللغة البليغة والموحية التي كتبت بها المواقف والمخاطبات، وهي لغة مثالية في مقام النص الصوفي. وهكذا يعطي المؤلف الفرصة لعدد كبير من المشاهدين في كافة ربوع الوطن العربي لمتابعة عرضه بكل ما فيه من شطحات صوفية راقية وفهمه دون تشويش أذهانهم بكلمات لا تضيف شيئا إلى روح النص الصوفي، إنما تنال من قدسيته الرهينة بتقديس الفصحى. ولا شك في أن هذا يحدّ من انفتاح الآخَر العربي على النص لاسيما وأن المؤلف يَحرص على تعريف هذا الآخَر بمسرحه.
والملاحظة الأخرى التي تُسَجَّل لصالح ما لا يُحْمَد للغة الدارجة في هذا السياق (سياق نص الزروالي) هي ميل المؤلف بهوس إلى السجع حد الرتابة، بل إلى درجة توظيفه مجانيا. والحقيقة أن سوء استخدام السجع يصدق على الدارجة والفصحى على السواء. عن هذه النماذج من السجع غير المحمود في المسرحية حَدِّثْ ولا حرج.
صحيح أن مواقف النفري ومخاطباته تُشكِّل في حد ذاتها مناسبة لمقام السجع، لكن السجع الذي جاء به النفري موغل في الرقي والتسامي، وله ضوابط وحدود، بينما السجع الذي ألف الزروالي علاماته لا محل له من الإعراب في أكثر الأحيان، بل إنه كثيرا ما يهبط بالأسلوب الرفيع الذي كُتِبَتْ به المواقف والمخاطبات أو مَسْرَحَها به الزروالي. وهذا ما يَضَع موضعَ التساؤل انحدار الزروالي بمستويات السجع إلى أدناها، ولا غرابة أن واقع الحال يقول إن التسطيح حدّ الابتذال والإسفاف كادا يَكسران مضمون النص.
غير هذا، فالجدير بالتذكير هو أن للسان الدارجة (المغربية) حلاوة ووقعا يَبلغان بكَ حدّ النشوة من فرط التلذذ بالمقوِّم اللغوي، ولكن متى؟! في حالة واحدة يعزف فيها المبدع على أوتار إحساسه ليُطْرِبَنا بما لذّ وطاب للأُذن مِن الكلمات المشتهاة تلك التي يُذَوِّبُها الذوقُ في رغيف المعنى تحت شرفة لحظات مُلْهِمَة تَسكر فيها الروح وتَقول لعصافير القلب: «غَنِّي».. (يُتْبَع بإذن الله).
هامش:
«1»- يصعب الحديث عن العلاقة التفاعلية القائمة بين الممثل والمتفرج في عرض «كدتُ أراه». أغلب الظن أن العرض تم تقديمه في مسرح يخلو من الجمهور... فإذا كان وجود المتفرج السلبي في حد ذاته لا يُحسب لصالح العرض، فإن الأسوأ من المتفرج السلبي هو غياب المتفرج أصلا. صحيح أن هذا الغياب يوفر على الممثل عناء الخوف من مواجهة الجمهور، ويسمح بجو ملائم لتسجيل العرض سمعيا بصريا دون أن تُفْسِدَ أيُّ حركة أو قهقهة (من جهة الجمهور) القبضَ على الكلمة والنغمة، غير أن تَعَذُّر المتفرج يقتل المسرح، لأن وجود المتفرج شرط وركيزة في المسرح. ثم إن غياب المتفرج يقتل التفاعل بين الممثل والمتفرج. ولا يخفى أن هذا التفاعل والمثاقفة المسرحية هما أساس كل ممارسة مسرحية. لهذا فإن غياب متفرج يفعل وينفعل ويتفاعل مع العرض يُسقِط المسرح باعتباره فنا ويحول العرض إلى لوحة سينمائية. والحال أن عروضا كهذه تقدم تلفزيا باعتبارها فيلما لا أكثر.
بقلم: سعاد درير

سعاد درير