كتاب وأراء

الجار جار ولو جار..!

أعود إلى الجار.. الجار في السكن.. الجار في السوق.. الجار في الوطن.. وكان أول مقال كتبته عن الجار قبل عشرين عاما.. حين رفع جاري قضية على طفلي لأنه تعارك مع ابنه في خلاف مدرسي.. وسبب رفعه للقضية هو أنني قلت له: هؤلاء الأطفال يحلون مشاكلهم بأنفسهم يتهاوشون وبعد ساعة يعودون يلعبون سويا ولن ننتهي إذا تدخلنا.. وعندنا مثل يقول (قاضي الأطفال شنق نفسه) فكتب في صيغة دعواه أنني أصف القاضي بعدم الصبر ولا جلد له على النظر في قضايا الأطفال..
ضحك القاضي ورفض الدعوى..
لقد كان جارا جاهلا.. لا يعرف حقوق الجيرة..
قال حكيم قولا بات مثلا (ابحث عن الجار قبل الدار).. لكن الجار قد يتحول بين ليلة وضحاها إلى شيطان.. والحذر منه واجب..
في زمن الأتقياء كان للجار حق في الجيرة حمايته والذود عن حياضه ومساعدته وعدم السماح بخدش حدود حرم أرضه.. كان الجار التاجر إذا جاءه زبون يطلب بضاعة وليست موجودة عنده فيصطحبه إلى جاره الذي لديه نفس البضاعة ليشتريها.. كانت القلوب على بعضها.. وتعمل بشرع الله وبهدي سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
كان العَرب يَتفاخرون بحُسن الجوار حتى قبل الإسلام، وكانوا يتفاخرون بإكرام الجار، والإحسان إليه، والقيام بواجبهم نحوه خير قيام، فلمّا جاءَ الإسلامُ حرصَ على استمرار هذا الخلق العظيم في مراعاة حق الجار، قال تعالى: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ...)؛ حيث أوجَبَ الله على المُسلمين أن يُحسنوا إلى الجار قريباً أم بعيداً، عربيّاً أم أعجمياً، دون تمييزٍ بين عرقٍ وعرق، أو لونٍ ولون؛ فالجار جارٌ له احترامُه، ومَكانته، وله اعتِباره، وله حقوقٌ، سواءً أكان مُسلماً أم غير مسلم..
وللحق أقول إن هناك جيران سكن بهذه الصفات لكن المؤلم الدول الجيران.. هذه الدول التي يفترض بما يجمعها من حدود وعادات وتقاليد أن يحسنوا ولا يتآمروا على الجار.. ولا يكون هذا الحسد الذي نشهده من دول جارة لدولة جارة لها فازت ببطولة كرة قدم وفازت بتنظيم مناسبة عالمية.. كم هو إمعان في الجهل والبعد عن دين الحق الذي امرنا بالحفاظ على حق الجار..لقد سجل التاريخ أن هذا الجار جار ويجور ويمعن في الجور.. حين ينجح جاره في توفير قوت يومه بعرق جبينه.. أو ينجح في تحقيق نصر محلي أو إقليمي أو دولي.. المصيبة حين يكون الجار طفلا.. والطفل ليس من هو دون سن المراهقة.. بل هو من يعيش بعقل طفل وإن وصل سن الحكمة التي لم ينلها..
كلمة مباحة
الجار قدر.. إذا كان شريكك في الهواء والماء والسماء.. فلا حل إلا بقبوله وتأديبه بخلق الأكرمين..

سمير البرغوثي