كتاب وأراء

عالم ما بعد فض «الصواريخ النووية»

تنقضي المعاهدات بتغيير ظروف إبرامها، وإذا ترتب على هذا التغيير تبدل جذري في الالتزامات، أو إن تناقضت هذه الالتزامات مستقبليا مع مصالح أحد الأطراف، وليس من طرف دولي بوسعه أن يحدد أسباب الرئيس الأميركي ترامب في فض الشراكة مع الروس والانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، إذ يعد هذا الانسحاب الأميركي هو الثالث الذي تتنصل فيه واشنطن من معاهدات واتفاقيات، بعد الانسحاب الأميركي من اتفاقية باريس للمناخ، وبعد الانسحاب الأميركي أيضا من الاتفاق النووي مع إيران.
ولا يكفي فقط البحث عن الأسباب الحقيقية لهذا القرار الأميركي الجريء الذي وصفته صحيفة ألمانية يوم الاعلان عنه بانه «يوم أسود»، بل سيكون من المهم أيضا متابعة توابعه ونتائجه، ففي تصعيد عنيف للصراع بين واشنطن وموسكو، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا علقت العمل بمعاهدة الصواريخ النووية متوسطة وقصيرة المدى وذلك ردا على الانسحاب الأميركي من المعاهدة.
ومن أولى النتائج المتوقعة لهذا القرار اندلاع سباق جديد للتسلح بين الروس والأميركيين يعيد إلى عالمنا اجواء الحرب، وهو ما لم تواره موسكو التي ربما بدأت هذا السباق في اليوم التالي للانسحاب الأميركي من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة المدى، حتى إن الروس بادروا إلى نشر فوج من اهم المقاتلات الروسية على حدود دول الناتو في ردة فعل بدت سريعة وعصبية، وفي الوقت ذاته يمكن القول إن الأميركيين قد استعدوا لهذا السباق بإمكانيات هائلة، بل ان لديهم ما يحملهم على الاعتقاد بأنهم سيربحونه باقتدار وجدارة، وإلا لوفروا على أنفسهم عناءات خوضه.
وفي هذا الصدد يمكن القول ايضا إن الأميركيين قد يتعذر عليهم لدغ منافسهم الأقوى مرتين من ذات الجحر الاقتصادي المؤلم، فإذا كانت كلفة سباق التسلح الأميركي مع السوفيات، قد ادت إلى انهيار وتفكك الامبراطورية السوفياتية الحمراء سابقا التي أصيبت بحالة من الارهاق الاقتصادي الذي أدى إلى تناثر أشلائها، ليجد الأميركيون أنفسهم متربعين وحدهم على عرش النظام الدولي، فالرئيس بوتين ليس ميخائيل جورباتشوف، كما ان روسيا الاتحادية لا تعاني حاليا معاناة الامبراطورية الحمراء سابقا.
وأيضا ما يمكن توقعه خروج سباق التسلح بين العملاقين إلى الفضاء، حيث ان عالمنا سيكون على موعد مع نظم تسليحية جديدة وغير مسبوقة ستدار من الفضاء الرحب، ويمكن ان تستهدف بسهولة، وبقوة نيرانية هائلة، أي بقعة أو صقع في العالم.
كما أن الانسحاب الأميركي من هذه المعاهدة وتعليق الروس لها، سيحرم المشروع الصيني الكبير من بلوغ منسوب تسليحي منافس لما في حوزة الأميركيين أو الروس، إذ ان بقاء الصين خارج هذه المعاهدة وحتى قبل فضها اطلق يد بلاد العم ماو عسكريا واقتصاديا إلى الحد الذي يؤهلها بجدارة إلى الصعود إلى قمة النظام الدولي الذي صار متعدد الأقطاب.
في مقابل ذلك يمكن القول ان الولايات المتحدة ربما استمرأت نظاما دوليا أحادي القطبية تتربع على عرشه، وإنها تسعى إلى خوض سباق تسليحي شرس تكثف له الامكانات بأنواعها لاستعادة عرش القطبية الأحادية بجدارة، ولهذا نجد وزير الخارجية الروسي يقول بصريح العبارة: إن عقيدة الجيش الأميركي وسلوك واشنطن يثيران قلق واشنطن.
وعلى عالمنا الراهن، وفي صدارته منطقتنا، التأهب لموازين قوى مستقبلية قريبة مختلفة عما هو كائن في عالم اليوم، فالعودة إلى عالم سباق التسلح بين القطبين الاعظمين من شأنه الردة إلى الاجواء التي سادت في ازمنة الحرب الباردة والاستقطابات في أقاليم سياسية مختلفة، فضلا عن حروب جديدة بالوكالة.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي