كتاب وأراء

كل عام وأنتم يناير! «1 - 2»

لا شك في أن ثورة 25 يناير 2011 أحد أهم الأحداث الفارقة في تاريخ مصر الحديث، مصر بعد هذا اليوم لم تعد كما كانت قبله وتغير وجهها للأبد، اختلفت على إثرها قواعد لعبة الحكم ومعادلة الصراع الوجودي للطبقة الحاكمة التي أفرزتها حركة 23 يوليو 1952 رغم ما طرأ على تلك الطبقة من تغيرات من حيث المتحكمين بها والمنتسبين لها والدائرين في فلكها،
لكن تشكل ما يمكن أن نطلق عليه (جمهورية يوليو العسكرية) والتي أمسكت بتلابيب الدولة المصرية وتحكمت في أوصالها وأخضعت باقي السلطات والهيئات لها بدرجات متفاوتة صعودًا وهبوطًا دون السماح بالمساس بخصوصية تلك المؤسسة وهيمنتها وامتيازاتها، وهو ما ظهر بدرجة واضحة بعد خلع مبارك وأصبح بطريقة أكثر شراسة وعنف ودموية بعد انقلاب 3 يوليو 2013 العسكري، قد يكون هناك اختلاف في طريقة الحكم وأدواته وأحلافه منذ عزل محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية في 14 نوفمبر 1954 وحتى تنحي أو بمعنى أدق تنحية المخلوع مبارك في 11 فبراير 2011، لكن بقي تحكم المؤسسة العسكرية في مفاصل الدولة هو القاسم المشترك بين العهود الثلاثة (عبدالناصر والسادات ومبارك) وتحولت لتكون الدولة نفسها في عهد الجنرال الانقلابي «عبدالفتاح السيسي» بعد انقضاض العسكر على حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي أفرزته ثورة يناير واختارته أصوات الشعب المصري.
الثورة في العصر الحديث هي رد فعل تراكمي يتسم بالغضب وقد يستغرق سنوات أو حتى عقوداً ليصل لمرحلة الانفجار والدفع باتجاه تغيير الوضع القائم، وتندلع في الأغلب لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية أو نتيجةً لمزيج من كل تلك العوامل أو سبب عسكري -هزيمة عسكرية- وما إلى ذلك ويتوافر أحيانًا حافز وعامل مساعد خارجي أو ما يمكننا أن نطلق عليه عدوى الثورات كما حدث في القارة الأوروبية بعد الثورة الانجليزية -الثورة المجيدة 1688- وفي الربيع العربي أواخر عام 2010 ومطلع 2011، لكن بصفة عامة الثورة هي محصلة انتهاج السلطة الحاكمة لإستراتيجية تتخلف فيها الدولة عن المجتمع بحيث يصبح هناك شبه انفصال بين الدولة والمجتمع، تنظر فيه الدولة ممثلة بالنخبة العسكرية في منظومة يغلب عليها الطابع البريتورياني كما في الحالة المصرية إلى باقي مكونات المجتمع على أنها مجرد توابع -مواطنين درجة ثانية- مهمتهم العمل على تلبية متطلبات رفاهية وامتيازات النخبة الحاكمة دون النظر أو الاكتراث لمتطلبات الأغلبية، وتنظر طبقات الشعب الأخرى لها كمغتصبة لمقدرات الشعب وثرواته والضاغطة على فئاته المختلفة وهو ما سيؤدي لا محالة إلى الثورة نظرًا لاستحالة استمرارية الوضع القائم في دولة تملك فيها القلة كل شيء ولا تملك الغالبية أي شيء واللا شيء هذا يشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوق والحريات.
مع حلول الذكرى الثامنة لثورة 25 يناير 2011 وبالنظر لأسباب اندلاعها نجد منها المباشر كوصول الداخلية المصرية لمستوى غير مسبوق من القمع والتغول على يد حبيب العادلي وزير داخلية المخلوع مبارك والذي مكث في منصبه 14 عامًا متواصلة في سابقة لم تحدث في تاريخ مصر، وكانت دعوات التظاهر موجهة بالأساس تجاه المؤسسة الأمنية أكثر من غيرها إثر مقتل خالد سعيد وإن امتزج هذا التوجه مع اليأس السياسي من أي تغيير يدفع باتجاه الحريات في ظل تكهنات حول نية المخلوع مبارك لتوريث نجله جمال مبارك وسبق الثورة مباشرةً تزوير الانتخابات البرلمانية نوفمبر- ديسمبر 2010، مع تردي الأوضاع الاقتصادية نتيجة تزاوج المال والسلطة والذي أصبح سمة تميز عهد المخلوع مبارك أكثر من غيره من فراعنة عسكر يوليو، ومراوحة الوضع المصري في مكانه لسنوات طوال أصبحت البلاد فيه أسيرة معادلة ثلاثية الأبعاد.
أطرافها طبقة حاكمة منذ عقود -جمهورية يوليو العسكرية- طوعت بقية مؤسسات الدولة لحسابها الخاص، وأحزاب وحركات سياسية معارضة شبه عاجزة تملكها اليأس من أي تغيير يكسر حالة الجمود السياسي في ظل التسلط والتضييق المتزايد من قِبَل النخبة الحاكمة، ومجتمع مدني وأهلي محاصر ومهمش تم التنكيل به بطرق شتى كالتجميد ومصادرة الأموال في ظل منظومة خدمية واجتماعية متهالكة أصابها الضمور والعجز عن القيام بمهامها.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري