كتاب وأراء

موازين مدرسة الحكمة

الحكايةُ حالةُ غضب. والبَطَلُ: مسمار. صَدِّقْ يا صديقي أننا نَقِفُ على بُعْد شِبر مِن مَدْرَسة الحكمة التي يُلَقِّنُ فيها الأبُ الحكيم ابنَه الشقي درسا في ضبط النفس والتحكم في الانفعالات بعد أن أثبتَ له الابن سرعةَ الغضب التي تعقبها كلمات تَترك في النفس ما لا يُداويه الأسف ولا الاعتذار..
الابن المتمرد يَتَطاوَل على مسافة احترام الآخرين، فيُرعد ويُمطر ويَعصف ويُزمجِر معبرا عن عدم قدرته على السيطرة على نفسه التواقة إلى إشعال المكان بِمَنْ فيه..
الأب المتأمل للمشهَد بِعُمق يوافي ابنَه بكيس من المسامير ويَقترح أن يَدقّ الابن مسمارا في سياج الحديقة الخشبي كلما انتابَه الغضب..
يَدقّ الابن في اليوم الأول 31 مسمارا، أي ما يُعادِل عدد غَضْباتِه، ثم يتراجع عدد المسامير التي يَطرقها الابن يوميا مع بداية تَحَكُّمِه في غضبه نسبيا، لاسيما وأن السياج يحتاج إلى بذل مجهود جبار حتى يَنْغَرِزَ فيه مسمار، وكلما تَقَلَّصَتْ حالات الغضب يَقِلّ دقّ المسامير..
يَفرغ كيس المسامير، ويُهرول الابنُ إلى أبيه مبشرا إياه بما صَنَعَ ومُعْلِنا في الوقت نفسه بدايةَ تَكَيُّفِه مع الحالة الجديدة التي لا يَستسلم فيها للغضب كليا. وهنا يَطلب منه الأبُ أن يَقومَ بانتزاع مسمار في كل يوم لم يَغضب فيه، ولأن العملية تَستغرق الوقتَ والجهد فقد كان مُرْهِقاً أن يتمكن الابن من استخراج جميع المسامير قبل أن يُخْبِرَ أباه بالنتيجة..
في هذه اللحظة يَأخذ الأب ابنَه إلى السياج، ويَقول: «ألا تَرى أن المسامير تَرَكَتْ في السياج ثُقوبا مِن المستحيل أن تَتَبَدَّدَ؟!»، وهنا فقط يَفهَم الابنُ الرسالةَ التي حرص الأبُ على أن يُمَرِّرَها بشكل عَمَلِيّ..
هكذا هي الكلمات الجارحة والذَّبَّاحة، فالإنسان الغاضب أكثر مما يَنبغي يَشرع في تكسير كل شيء، ليس بيديه، إنما بلسانه.. ولا غرابة أن تترك الكلمةُ الحادة كالخنجر جرحا في النفس والروح لا يَلتئم ولا تُشفيه الأيام..
في ساعةِ غضبٍ تَخرج الكلمات المقذوفة بقسوة كأنها مطرودة مِن الجنة، كلمات لا تَستأذننا لتَخرج، لذلك يكون وقعها كارثيا وبسببها نَندم، نندم بعد فوات الأوان، إذ تَكفي كلمة واحدة لِتُحْدِث قطيعةً بين اثنين أو أكثر..
تَجرحك كلمة، وتُداويكَ كلمة.. تَلكمك كلمة، وتواسيك كلمة.. تَحرمك كلمة، وتُعطيك كلمة.. تُشقيك كلمة، وتُرضيك كلمة.. تَصفعك كلمة، وتَمسح على قلبك كلمة.. فَكُنْ في مستوى أن تَزِنَ الكلمةَ قبل أن تَعبُرَ بها جسرَ اللسان وتَخسرَ أكثر مِن إنسان..
نافِذَةُ الرُّوح:
- «عند بابِ الشوق تَشْتَدُّ وَطأةُ الغياب».
- «عند رصيف الغياب يَقِفُ سَوْطُ الألم».
- «على جدار الألم يُصْلَبُ الإحساس».
- «تحت مظلة الإحساس يَقول القلبُ كلمتَه».
- «بين يَدَيْ الكلمة تَذوبُ الروح».
- «في ضِفاف الروح تَتَمَدَّدُ الأنفاس».
- «على صفيح الأنفاس الساخِن تَتَشَكَّلُ لُغَةُ العشق».
بقلم: سعاد درير

سعاد درير