كتاب وأراء

دستور يا اسيادنا ..! (2 - 2)

السيسي يقصد برسائله هذه الخارج وليس الداخل، فلم يعد هناك ما يقلقه من الداخل ومنبع عدم قلقه هذا ليس السيطرة أو التحكم المطلق مع عدم إغفال ثقل القبضة الأمنية وتغولها وتوحشها وهو ما يجعل المتابع يعتقد أن الشعب المصري صامت ومتقبل لما يحدث وهذا غير صحيح فالصمت هو صمت المتحفز الغاضب المجبر وليس صمت الرضا والقبول، لأن الجنرال قد قطع كل ما يمكن أن يربطه بالشعب ويبقي ولو على جزء صغير يمكن أن يستند عليه كظهير شعبي، فقد نكل بحكمته المعتادة وذكاءه المعهود المنقطع النظير بالجميع من القمة وصولًا إلى القاع، فكل فصيل شعبي أو سياسي وحتى طبقي قد أصابته نائبة وألمت به نازلة نتيجة لقرارات الغشيم المتعافي المختلفة، السياسية والاقتصادية وما تنتهجه توابعه في منظومة الحكم العسكري من وزارات وهيئات ومؤسسات تمشي في ركابه وتتخذه نبراسًا تهتدي به وتتزلف إليه وتتملقه قياداتها، وكما يقولون ذهبت السكرة منذ فترة وجاءت الفكرة، فبعد مرور أكثر من 5 سنوات على انقلاب يوليو 2013 المشؤوم لا مكان للوعود ولو أطلقت وتم التغني بها صباح مساء فلن يكلف أحد من الشعب المصري نفسه عناء سماعها فالأفعال دومًا أصدق من معلقات الكلمات، ولم يتبق للسيسي إلا حلفاء الخارج والدائرة الضيقة من منتفعي الداخل والشعب خارج المعادلة فهو وإن تم إسكاته وقهره بقوة السلاح فسينتفض ضد حامله عاجلًا أو آجلاً فقد تم الطلاق حرفيًا بين معظم طوائف الشعب المصري وثقته في المنظومة العسكرية ومندوبها في سدة الحكم. السيسي يكابد ويحارب الزمن من أجل تعديل الدستور ويعد العدة منتظرًا الضوء الأخضر من كفلائه في الخارج وعلى رأسهم ترامب الغارق في مشاكله والمشتتة إدارته، الغرب يهمه بالفعل أن تتخذ الديكتاتوريات والأنظمة القمعية المرتهنة لأمره وإرادته شكل النظام السياسي الصحيح، أي أن يكون لها شكل مقبول ومقنع قدر الإمكان وهذا ليتمكنوا من النظر لدوائرهم الداخلية والناخبين في بلدانهم وحتى يتمكنوا من دمج تلك الأنظمة في الأسرة الدولية ومنظماتها، وتهمهم مصر بشكل خاص أكثر من غيرها في المنطقة كونها على حدود كيانهم المفضل وطفلهم المدلل في فلسطين المحتلة وغيرها من العوامل الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية، وبالعودة للجنرال فهو يعلم جيدًا أن الغرب لا يتردد لحظة في الإطاحة بمن تنتفي الحاجة إليه أو لا يؤدي ما يطلب منه، ولهذا يعمل بأقصى جهده وطاقته للقضاء على أي تهديد محتمل لاستمراره في السلطة مع الأخذ في الاعتبار أنه فعليًا يقع الآن في وضع صعب فهو قد مارس فعل الخيانة من قبل عند انقلابه على الرئيس محمد مرسي ونظامه المنتخب، ويعلم علم اليقين أن المؤسسة العسكرية ستطيح به في لمح البصر لو لم يتمكن إقناع الكاوبوي الأميركي وأتباعه بالموافقة له على تعديل الدستور، وفشل في تمريره داخليًا ففي النهاية المؤسسة نفسها وبمشاركته هو شخصيًا أطاحت برأس النظام (المخلوع مبارك) لتمتص غضب الشارع المصري عملًا بنصيحة الأميركان وحليفهم الأوروبي ولن تتردد في فعل هذا مرة أخرى لو أحست أن السيسي قد يهدد مصالحها ويغرقها معه لو فشل وخاب مسعاه وهو الملطخة يداه في نهر من الدماء ويعلم أنه غارق فيه لا محالة لو تم إبعاده عن سدة الحكم، تلك هي معركة السيسي الحقيقة والبقية مجرد هوامش جانبية مهما تم تعظيمها وتضخيمها من قِبَل الإعلام والحلفاء والخصوم على حد سواء، نحن لسنا بصدد محاكمة هزلية أو قصة تعديل لبنود الدستور بل معركة حياة أو موت للجنرال الدموي، فهو بين نارين إما المرور والتعديل أو الإقصاء والتبديل.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري