كتاب وأراء

هل تشرق شمس الإمبراطورية البريطانية مجدداً؟

من المجدي أن نتابع باهتمام خطى بريطانيا بعد خروجها المرهق من الاتحاد الأوروبي، وكيف تخطط لندن لاستعادة مجدها القديم، وبأي رؤى وأدوات ووسائط سوف توظفها بريطانيا العجوز لاستعادة شبابها، فليست كل الامبراطوريات القديمة تنجح في العودة إلى سابق عهدها، لكن يبدو أن الامبراطورية البريطانية سوف تنجح فيما هي تسعى إليه، حيث يقترن بالخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي «البريكست» حنين قوي إلى الزمن الامبراطوري، والذي كانت بريطانيا فيه تعرف بـ«الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس»، فبعد أن شارفت شمس هذه الامبراطورية على الغروب خلال نحو خمسة عقود خلت، تسعى مجددا لاستعادة مكانتها بذراعين اقتصادية وعسكرية، فلابد من إعادة ملء الخزينة البريطانية بأموال هائلة مجددا وتعظيم المدخولات الاقتصادية وحدوث طفرة صناعية واقتصادية كبيرة، وهو ما تخطط له لندن حاليا بصمت وإتقان، ولابد أيضا من استعادة القوة العسكرية الجبارة التي كانت تجعل من بريطانيا بلدا يهاب الجانب، وله حضوره القوي بين عالم الأقوياء المحدود العدد، والتخلي عن السياسة التي اتبعتها منذ العام 1968 والتي تمثلت في إغلاق قواعدها شرق قناة السويس، وفي المقام الأول دول جنوب شرق آسيا.
وزير الدفاع البريطاني غافين ويليامسون كشف مؤخرا أن بلاده تخطط لإنشاء قواعد عسكرية جديدة في آسيا ومنطقة الكاريبي بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي لتعزيز مواقع بريطانيا الأمامية إلى أقصى حد ممكن، ما يعني أن الأسطول البريطاني سوف يمخر عباب محيطات وبحار كان وجوده فيها قد تضاءل، وأنه قد يتغير لاحقا مسمى وزير الدفاع البريطاني، ليكون وزير الجيوش البريطانية، بعد أن يتضخم الجيش البريطاني، ويكون له وجود وقيادات في عدة قواعد حول العالم.
دواعي بريطانيا للعودة مجددا إلى التواجد شرق قناة السويس له ما يبرره، فمن الواضح أن مركز الثقل الحضاري والاقتصادي في العالم ينتقل الآن إلى عمق القارة الصفراء، وأنه لا يجب الابتعاد عن مناطق تشهد التفوق الاقتصادي الصيني الحاصل حاليا، كما تشهد أيضا محاولات صعود قوى أخرى إلى قمة النظام الدولي مثل الهند، فالقارة الآسيوية تشهد حراكا اقتصاديا كبيرا لا ينبغي النظر إليه بطرف العين، خاصة وأنه يقترن به محاولات جادة لامتلاك قوى عسكرية نوعية، ومن ثم ليس من الحكمة ترك جغرافية تشهد تفاعلات التغير الحاصل في النظام الدولي، والاكتفاء بمراقبتها من طرف بعيد، بل سيكون من الأفضل البقاء في وسطها و معاينتها عن كثب.
وأغلب الظن أن لندن تسعى بشيء من الصمت والهدوء إلى تشكيل ناتو آخر وراء البحار تتزعمه يتكون من كندا واستراليا ونيوزيلندا ودول أخرى في الكاريبي في مسعى استراتيجي للتعامل مع التحديات المستجدة التي تترتب على صعود الصين إلى قمة النظام الدولي.
ومن الواضح أن التكتيك البريطاني إزاء التغيرات الحاصلة في النظام الدولي، كما ألمح إليه وزير الدفاع البريطاني، أكثر حذقا وبراجماتية من نظيره الأميركي، فبريطانيا تسعى إلى إطلاق ماردين قويين مكتنزين بوسائل القوة، هما أستراليا وكندا، من أجل الصعود عسكريا واقتصاديا لمواجهة التحالف الصيني الروسي، خاصة وأن هذين البلدين لايزالان تابعين للتاج البريطاني.
وسيكون من المنطقي افتراض أن بريطانيا اختارت كذلك عدم وضع كل بيضها في السلة الأميركية، خاصة وأن واشنطن تعلن بجهر «أميركا أولاً»، وهو مبدأ يدير الظهر لكل حلفاء أميركا.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي