كتاب وأراء

الجنرال «الأورجانيك»! «1-2»

أمطرنا الجنرال عبدالفتاح السيسي في الأيام القليلة الماضية بسيل من التصريحات النارية المتلاحقة، وكأن الخوف ينتابه أن يلفظ عام 2018 أنفاسه الأخيرة غير مأسوف عليه دون أن يضرب الشعب المصري بجميع طوائفه ومستوياته أخماساً في أسداس، وهو يتابع تلك التصريحات الفريدة من نوعها، والتي تجعل من الحليم طويل البال حيران عندما يستمع إليها أو يطالعها، لتجد مصر نفسها قاربت على إنهاء مرحلة جمهورية الضحك المبكي لتتحول إلى جمهورية اللاهدف واللامنطق، ولمّ العجب فقد نجح الجنرال وعصبته في جعلها موطناً لكل المتناقضات والمعضلات؛ فالقوم لهم مصرهم المختلفة كلياً عن مصر التي نعرفها، مصرهم تلك التي لا يستطيع رؤيتها أو العيش فيها إلا متخمو الدخل ومحاسيب النظام ومن يدورون في فلكه ويسبحون بحمده.
لعل أبرز تلك التصريحات هو تصريح الخبير الزراعي الأول في مصر عبدالفتاح السيسي خلال افتتاح المرحلة الأولى من المشروع القومي للصوب الزراعية الذي تقوم عليه الشركة الوطنية للزراعات المحمية، التابعة للقوات المسلحة المصرية في مدينة العاشر من رمضان شمال شرقي القاهرة يوم السبت 22 ديسمبر بقوله: «يعني الناس تاكل أورجانيك والمصريين مياكلوش أورجانيك ولا إيه».. بعيداً عن أن الأغذية الأورجانيك سعرها مرتفع عن الأغذية التقليدية، رغم أنها لا تختلف كثيراً في الشكل والطعم والجودة عن التقليدية لعدة أسباب أهمها حاجتها لكمية أكبر من المياه ومساحة أوسع من الأرض لإنتاج نفس القدر من الأغذية التقليدية، ثم يأتي طبيب الفلاسفة في دولة تعاني الشح المائي ودمر الجنرال الملهم خلال سنوات حكمه العجاف معظم الزراعات والمحاصيل الغذائية والنقدية بسرعة الصاروخ ووضعها تحت خطر العطش بتوقيعه غير المشروط على اتفاقية سد النهضة مع إثيوبيا والتي أجمع الخبراء المعنيون على أن الاتفاقية تهدد حصة مصر من مياه النيل وغير الكافية من الأساس في الصميم، ويرزح أكثر من ثلث شعبها تحت خط الفقر حسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء - حكومي- في 2015 ومنذ ذلك الوقت تمتنع الجهات الرسمية المصرية عن التصريح بنسبة الفقر في مصر والتي تدل كل المؤشرات والدلائل على زيادتها بوتيرة متسارعة إذا تم الأخذ في الاعتبار عدة أمور مثل تعويم الجنيه وخفض قيمته أمام الدولار وتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي والارتفاع المتواصل في الأسعار بشكل جنوني وغير مسبوق، نفس الجنرال الذي يسوق الوهم الأورجانيك الخالي من أي إضافات أو عوامل واقعية أو منطقية وقابلة للتطبيق وذات جدوى هو نفسه من يطالب المصريين بالاقتصاد في النفقات وإنقاص أوزانهم وتحديد نسلهم ويعمل هو ونظامه على تخفيض دخولهم إجبارياً بقرارات ودعوات شتى، آخرها ولن تكون النهائية مطالبته البرلمان والحكومة المصرية بخصم مبلغ من المال من كل مواطن يحصل على أموال من الدولة لصالح صندوق متحدي الإعاقة، خلال كلمته الاثنين الماضي ضمن احتفالية اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، نفس تلك الاحتفالية التي شهدت حادثة أرجعت إلى الذاكرة صكوك الغفران التي كانت تنتهجها الكنيسة الكاثوليكية منذ قرون عندما تبرع وزير الأوقاف محمد مختار جمعة بمبلغ 20 مليون جنيه لصندوق دعم أبناء مصر الذي أعلنت عنه غادة والي وزيرة السيسي للتضامن الاجتماعي.. فرد السيسي مازحاً: «وزير الأوقاف قرر التبرع بـ 20 مليون كنت أتمنى يخش الجنة بأكتر من كده».. والأمر لا يبدو كما هو عليه فالجنرال لا يمزح أبداً في ما يخص جباية الأموال وتحصيلها بشتى الطرق؛ فهو صاحب المقولة الشهيرة: «هتدفع يعني هتدفع»، ويبدو أنه بيت النية ووضع أموال الأوقاف والتي تقدر بمئات المليارات هدفًا يبتغي تحقيقه وهو من أصدر في يوليو 2016 قراراً جمهورياً بتشكيل لجنة لحصر أموال هيئة الأوقاف.
أثناء متابعتي المستمرة لسيل تصريحات الجنرال الملهم وزمرته والنهم والسعي المتواصل لحصد كل ما يمكن أن تصل إليه أياديهم من أموال مصر ومقدراتها ومدخرات وأقوات شعبها ولا يكتفي بهذا بل يضيف وبكل إصرار وعن عمد على كاهل الجيل الحالي والأجيال التي تليه تلالاً من الديون والقروض .
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري