كتاب وأراء

سؤال المستقبل الماليزي والشراكة القطرية

اختارت الدوحة ماليزيا لإعلان الجائزة العالمية لمكافحة الفساد، لكن هذا الحدث لم يكن الوحيد، وإنما باشرت القيادتان إطلاق دورة مهمة للجنة العليا الماليزية القطرية، ويأتي هذا التقارب الكبير بينهما، بعد خسارة حزب أمنو بقيادة د. نجيب عبد الرزاق، والذي توسعت علاقاته مع أطراف عربية خليجية، عرفت بمناهضتها الشديدة لأي روح إسلامية تحضر في المشهد السياسي، ويشارك فيها الطيف الإسلامي بفكره أو تياراته، في صناعة العمل السياسي والمستقبل الوطني. وقبل أن أستطرد أشير إلى مسألة مهمة في هذا السياق، وهو أن كوالالمبور، تعيش اليوم دورة جديدة من التنافس السياسي، وأكتب اليوم خلال زيارتي الأخيرة لها، والتي لن نبسط فيها رؤيتنا عن هذا التنافس وتحديد معالمه، ونحن في بدأ مرحلة جديدة من تاريخها الوطني، وإنما نركز هنا على نهضة قامت فيها، وتسعى لاستئناف مسيرها، ودور الشراكة القطرية لصالح قطر وماليزياً معا، كجزء من منظومة الشرق الجديد. لكن نشير إلى أن هذا التنافس، والذي نأمل أن يظل في دائرة التحالف بين د. مهاتير محمد، ود. أنور إبراهيم، وهو التحالف القائم حالياً، إلا أن هناك بعض القراءات التي لا تستبعد تبدل هذه الخارطة، في ظل الاستعادة القوية لرئيس الوزراء، وتأثيرها على كل المنظومة السياسية بما فيها أحزاب الحكم والمعارضة. وهذا التنافس لا يُغيّر فرص الصعود الاستراتيجي الجديد لماليزيا، بغض النظر عن التنافس السياسي، فماليزيا كرست استقرارها الوطني المختلف، والمتوقع صعوده من جديد، المسألة الثانية التي تجدها حاضرة في أولويات المجتمع المالاوي، (يقصد به الشعب الأصلي قبل توطين انجلترا السياسي من الصين والهند) وباتوا اليوم شركاء الوطن الماليزي وبأجيال جديدة، تعبر عنها أحزاب سياسية، خاصة الأحزاب الصينية الماليزية. فهناك تدحرج مستمر لقوة الحضور الصيني الماليزي، في المسرح السياسي، وضغط لإسقاط مواد العقد الاجتماعي الوطني، التي حمت حق المالاويين الأصلي، في الحفاظ على هويتهم الإسلامية، الذي خاض بها أرخبيل الجزر معركة حريته واستقلاله، وهي مخاوف مشروعة. ليس لزيادة التحفز بين البناء الوطني من كل القوميات، ولكن لعلاقة هذا الحضور بصعود الصين الواسع، والذي وصل التحفز منه إلى دولة قوية ككندا، والخشية من التهام بكين لقوة أي دولة، في ظل التوظيف الاقتصادي الضخم، وفي ظل ما تقدمه الصين من نموذج قمعي خطير، كما يجري في تركستان الشرقية، وقرب ماليزيا من هذا التنين الشرس، يجعل هذه القضية محل قلق واسع، في الشارع المالاوي، وهو ما قد يحدد من خلاله، اتجاهات التكتلات السياسية القادمة بعد عودة مهاتير. وهذا الصعود الصيني الماليزي، حفّز شعب المالاي في دورة الانتخابات الأخيرة إلى دعم الحزب الإسلامي الماليزي بقوة، ليحقق أكبر فوز له في معاقله في ولايتين، خاصة كلنتان التي يقود الحزب حكومتها الحالية، وخلال هذه الزيارة أكدت لي السيناتور أسماء بنت حسين، عضو البرلمان الفدرالي ووكيلة الحزب في كوالالمبور، ضرورة زيارة الولاية وقد عزمت عليها مستقبلاً بإذن الله. فأي محاولة لفهم الصورة الماليزية، لا بد من أن يغطي موقف الحزب، الذي يستمد قوته من الفكرة الإسلامية، التي تعد الحافز الكبير لأصوات المالاويين، بين أطيافهم النهضوية والتقليدية، من مهاتير وحركة امنو ود. أنور إبراهيم إلى الحزب الإسلامي. بمعنى أنه لا يمكن فهم سياق المسرح السياسي في ماليزيا، وبالذات البيت المالاوي الوطني، دون فهم علاقة الروح الإسلامية، في ضمان الاستقلال والأمن الوطني، والتقدم نحو النهضة التي لا تختطف أو يقطع عليها الطريق، من قوى إقليمية أو دولية تستغل التعدد القومي في الاتحاد الماليزي، والمضي في مشروع النهضة بشفافية، تقلص الفساد إلى أقل مساحة يحاصر فيها، وتفتح أفق الحرية والمساواة الدستورية والشفافية لكل الماليزيين، دون إسقاط عقدهم الوطني. وسنعود في المقال القادم بعون الله، للحديث عن دور الشراكة القطرية، في مشروع الصعود الماليزي الجديد، ومصالحهما المشتركة، ومصالح الشرق المسلم عبرها، في درب النهضة الطويل.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل