كتاب وأراء

ورد وشوك .. وشوق

ورد وشوك .. وشوق

قلب رقيق شَفّاف كقلب الأنثى، ومشاعر جَيَّاشَة مُرْهَفة إلى ما لا نهاية كمشاعر الأنثى، لِنَتَصَوَّرْ ما يُمكِن أن يَحلّ بهما عندما تَكسرهما قبضةٌ قوية كقبضةِ يَدِ رَجُلٍ لم يَنَلْ في مُقَرَّرات مَدْرَسَة الحياة شَرَفَ حِفظ دَرْسِ «كيف نُثَمِّن المرأةَ؟».. بيتُ القصيد الإحساسُ، ومربطُ الفرس الإخلاصُ. صَدِّقْ يا صديقي أنَّ مِن ألفُجور في الخيانة ألاَّ تُخْلِصَ لِقَلب، أَرَقّ مِن الرِّقَّة، يَكونُه قلبُ امرأة يَتَفَجَّر إحساسا لكَ وبكَ، لكنك في المقابل تَجِدُ مِن غير العَبَث أن تَقْفِزَ على إحساسها الذي لا يُقاوَم، وتَتَمَرَّد على عاطفة جبَّارة لِتَبْحَثَ عن عِطرٍ آخَر وتَتركَها منهارة.. هذه الرسالة الرقيقة يُمرٍّرُها رَسماً صاحبُنا فيليب هيرموجينيس كالديرون Philip Hermogenes Calderon، يُمَرِّرُها بأنامل تُقَلِّمُ شقاوةَ الرجُل العابث، وتُعَلِّمُه معنى الطهارة في الحُبّ لِيَرتقي بإبداعه الحِسِّي وهو يتجاوب مع مشاعر أنثى مِن غير العدل ولا مِن الحكمة أن تَصلبها على سُور العَبَث كأنكَ شابّ نَزِق.. نَزَقُ الرجُل سُمٌّ يَقتل قلبَ المرأة، وتمرُّدُه بركان يَهدّ عرشَ شغافها، ولامبالاتُه طوفان لا تَنجو منه شجرةُ أنوثةٍ تَخْضَرُّ وتُورقُ وتُزهِر وتُثْمِر له هو فقط دُون سِواه مهما اشتَهَتْها العيون الخبيرة في تَقديس الجَمال: جَمال الجسم، جَمال الوجه، جَمال الابتسامة، جَمال القلب، جَمال الروح، وما إلى ذلك.. إنه مَوعِد مع فيليب هيرموجينيس كالديرون، ولْيَكُن المقامُ مقامَ لوحتِه الحاصدة للنجاح «وُعود مُنْكَسِرَة»، وما أبشعَ أن تُخْلِفَ وُعودا كُنْتَ قد ضَرَبْتَها لامرأة سَمَّيْتَها فَتاتَك ومولاتك وأميرةَ قلبكَ وحياتَك، ثم مالَبِثْتَ أن نَفضْتَ حذاءَ الحُبّ وهربْتَ باحثا عن مقاسٍ آخَر تاركا في أسوأ حالٍ قَدَمَيْها الهاربتين منها إليكَ.. خُلود الفنان التشكيلي فيليب هيرموجينيس كالديرون يَعودُ أساسا إلى لوحتين مجيدتين خَبَرَ فيهما صاحِبُنا فلسفَةَ الريشة وسيميائيات الألوان، وكانت واحدة منهما لوحة «وعود منكسرة».. هذه اللوحة الأنيقة الباذخة الْمَشْهَد تَأَلَّقَتْ فيها أصابع فيليب هيرموجينيس كالديرون، وعاد بِنا فيها إلى الْمَجد الزاخر لِزَمن الرومانسية الحالِم، فبعد كُلّ السنوات التي مَضَتْ على رسمها، ورغم أنَّنا بِتْنا لا نَستفيق مِن كابوس البُؤس والشَّجَن والحروب النفسية والاجتماعية والسياسية التي تَأكل الإنسانَ كما تَأكل النارُ الحطبَ، رغم كل هذا مازال يَشدّنا الحنينُ إلى زمن الحُبّ.. إنه الحُبّ الذي لا يَموت، الحُبّ الذي تَظَلُّ بُذورُه المجفَّفَة كبذور أعشاب طبية تُجَدِّدُ تنشيطَ شرايين الإحساس بالحياة وتُعيدُ إلينا الرغبة فيها، وتَعِدُنا بفترات نقاهة عَلَّنَا نُشْفَى مِمَّا حلَّ بأراضينا وذَوينا مِن أعراض البشاعة والشُّحوب وضُمور العضلات (عضلات العاطفة) وقِسْ على ذلك مِن هَزَّات الضغط والسُّكَّر وانسداد شرايين القلب والرِّئَتَيْن وحُمَّى اللَّوزَتَيْن وداء الخنازير وحتى البَواسير.. فيليب هيرموجينيس كالديرون الهارب مِن كلية الهندسة إلى كلية الفنون لم يَجِدْ نَشوتَه في الخطوط الجافَّة المسيِّجة للأَسْقُف والجدران، لكنه وَجَدَ لَذَّةً قَلَّ نظيرها في مُحاكاة حقيقة الوجود والإنسان مِن خلال ما تُفَجِّرُه أنامل فَنَّان وقع في مَصيدة الألوان، فأَبَى إلا أن يَتركَ رَبّات الإلهام لِيَقُلْنَ كلمتَهُنّ.. عن الإلهام نتحدث، ولا نَعلم عِلْمَ اليقين إن كانت وراء لوحة «وعود منكسرة» امرأةٌ مُلْهِمَة، لاسيما وأن بطلةَ اللوحة امرأة هي الأخرى، ولا غرابة أن يكون قلبُ فيليب هيرموجينيس كالديرون فنانا هو الآخَر في الإحساس بتفاصيل وأنفاس امرأةٍ تَلَقَّتْ شَرَّ هزيمةٍ عاصفة في معركة العاطفة.. بطلةُ لوحةِ فيليب هيرموجينيس كالديرون تتراءى لنا موغِلَةً في البراءة، بحسّها الأُنْثَوي الذي دَعانا عَبْرَه فيليب هيرموجينيس كالديرون إلى تَصَفُّح كتاب الأنوثة الْمُقَدَّس صفحةً صفحةً، فبَدَتْ لنا البطلةُ بالتالي مذبوحةً في القلب هي التي غَدَتْ تَطفو على موج بحرِ إحساسِ بَطَلِ حياتها بها، إنه إحساسه السطحي الذي لم يَفتح عينيه وقلبَه بما يَكفي لِيَجسّ نَبْضَ امرأةٍ تَتَآكَل تحت وَطأة الغيرة، بينما تَضربُ شواطئَ وِجدانها الرقيق أمواجُ الحيرة.. هل هذا أقصى ما تُكافَأُ به ولا تَستحقه مِن رَجُلٍ امرأةٌ فَتَحَتْ له نوافذَ الشوق؟! هل هذا كُلُّ ما بَذَلَهُ من أجلها رَجُل رَسَمَتْ له تفاصيلَ شِفاه الحياة تِلك التي وَعَدَتْهُ بِقُبْلَةٍ عند بابِ الوفاء؟! هل هذا مَصيرُ قلبٍ رَفْرَفَ، بأجنحةِ الأمَل والإيمان بالحياة، إلى رَجُلٍ يُجيدُ فنونَ القَصّ بمقصّ العَبَث واللاَّمُبالاة؟! معادَلة صعبة يَقِفُ بنا عندها فيليب هيرموجينيس كالديرون، ويَنتظر منا أن نَسْتَبْعِدَ فكرةَ أن نُنْصِفَ البطلة الثانية، إنها المرأة الخَفِيَّة التي سمح لها بطلُ لوحته بالتسلل إلى حياتِه عابثا بأنثاه الأولى تِلك التي حَرِصَ سابقا على تقطير قلبِها في كأسِ طَيْشِه إلى أن رشفَ آخِرَ رَشْفَة، ثم تركها مجروحةَ الوجدان مذبوحةَ الشعور، ولم يُفكر في الصدمة التي كانت في انتظارها بعد أن أطاحَ بصومعة الصِّدق وقطعَ جسرَ الرغبة الشَّقِيَّة في اعتصار قلبِها وأَنْهي العُبور.. بطلة فيليب هيرموجينيس كالديرون، بهيئتها المحتشِمة والناطقة باليُسر والغِنَى وفخامة مَلْبَسِها الحَيِيّ الذي يَنْعَكِسُ فيه مِرْآوِيّاً معنى الحُبّ العُذْري البعيد كل البُعد عن مَصَبّ الأهواء العابِرة والأطماع السائِرة، ماذا كان يَنقصها حتى يَعبثَ الرجُلُ بقلبها ويُعَلِّقَه على عَمود النسيان، بينما يَظهر لنا هو الرجُلُ مِن خلف باب البيت يتمادى في أن يُدَلِّلَ صغيرتَه الثانية، قبل أن يُلْقِي بها هي الأخرى في سَلَّة المهمَلات ويُوقِعَ في فِخاخ العَبَث أقدامَ إناث أُخْرَيَات..؟! ذكاء فيليب هيرموجينيس كالديرون يَتجلى في قدرته التصويرية لإيحاءات الإحساس بالفَقْد، ذاك، الذي يُذيبُ شمعةَ الروح في هيكل امرأة انْتَهَتْ صلاحيتُها العاطفية وعصفَ بها مطرُ دموع الوَجْد.. ولأن فيليب هيرموجينيس كالديرون خَبَرَ عوالمَ الرسم الهندسي قبل أن يَثورَ عليها ويَقفزَ عَبْرَ سُورِ حديقة الألوان، فَقَدْ أَمْسَى ضَليعاً في الاشتغال على التَّشْفِير Codage والسَّمْيَأَة Sémiotisation لِيُوحي بأقلّ دالّ وأَضْعَفِه على أَكْبَر مَدلول وأَقْوَاه قيمة في الميزان.. ولهذا وَجَدْنا حبيبةَ الرجُل، الضارب في الخذلان، تَقِفُ خلف السُّور المجاوِر لباب بيتٍ مُغْلَق مكسورةَ الخاطر مشروخةَ الوجدان، وهذا إيحاءٌ بليغ يُفَجِّر دلالاتِ الزُّهْد فيها والإلقاء بها خارجَ حياته.. ما أسوار البيت في لوحة فيليب هيرموجينيس كالديرون إلا تعبير عن حياة صغيرة أَسْقَطَ فيها البطلُ مِن حساباتِه المرأةَ الأولى التي كانَتْ كوكبَ حياته كما يَليقُ بِأَيّ رَجُل أن يُوهِم امرأةً إلى أن يَشبعَ مِن امتصاص حضورها، فيَبحث عن بديل لها في صورة المرأة الثانية أو بطلة الحُبّ الجديد.. ملامح مُحَيّا يَأسر أنفاسَ الناظر إليه إعجابا به تُصَيِّرُها ضربةُ الرجُل الجاحد أطلالا، هكذا تَتَراءى قسماتُ وجهِ البطلة، وجه يَغار منه الجَمال، يَغار منه الدَّلال، يَغار منه الوصال.. إنه الوِصال الذي انقطع حبلُه بِأَمر القلب الكافر بدِين الحُبّ، قلب الرجُل هو.. بطل اللوحة المعبِّرة يَسرق من بستان سيدة حياته الأولى كل الورد، ويَترك لها كُلّ الشوك وهي تَحمل سلالَ الشوق إليه هو الذي قد يَأتي ولا يأتي.. لكن جبروتَ ريشة فيليب هيرموجينيس كالديرون يَفرض نفسَه حين يصور لنا صاحبُنا الفنان مأساةَ حياةِ إنسان تَقف عند رصيف الخيانة.. ما هذا الإنسان سِوى المرأة بطلة اللوحة في أنقى تجليات الأنثى وأزهى مواسم حضورها رغم الخريف الذي يَسبق وقته متمردا على توزيع الفصول، صَدِّقْ يا صديقي أنها فصول العمر.. بين نعمة الورد ونقمة الشوك نزوةٌ تَطرد من جَنَّة الرجُل الأنثى الأَصْدَق إيمانا بالحُبّ، غير أن المؤلمَ في ما يُمَرِّرُه فيليب هيرموجينيس كالديرون مِن رسائل لونية هو أن تَكونَ الوردة نفسُها شوكة في الحلق، ذاك حلق الحُبّ المصدوم في تَوأم روحه، ولا تَقوى الأيام التالية على ترطيبه.. لا غرابة هنا أن نَجِدَ قمة التفوق في مدرسة التشكيل في ما يَشْرَحُه لنا فيليب هيرموجينيس مِن فلسفة.. إنها بالفِعل فلسفة الحُبّ، وهي بالْمِثل فلسفةُ حياة، فأَشْقَى ما يُمكن أن تَتَحَمَّلَه أنثى هو أن يَحطب فارسُها ليلَ الحُبّ لِيَفرشَ به مدفأةَ الأنثى البديلة التي يُتَوِّج بها خيانةَ القلب.. فيليب هيرموجينيس كالديرون هذا العبقري السابق لِأَوانه يُلَخِّص لنا في المقابِل حقيقةَ فلسفة الورد، فلا يَطيب للرجُل ورد إلا وهناك شوك يَجرح امرأة، ولا تَسلم المرأة مِن شوكة إلا وهناك امرأة أخرى قد نَالَتْ مِن وخزِها ما نالَتْه.. المرأة الضحية بطلةُ لوحة فيليب هيرموجينيس كالديرون تَبْكي بِلا دموع، فقبل أن يَنثال شلال العين لا مجال لِنُنْكِر أن هناك قلبا ظلّ يَبكي في صمت، ولذلك انْكَفَأَتْ على نفسها اليدُ إلىُسرى للمرأة التي تُضْمِرُ جُرحَها النازف مِن فوهة قلبِها ذاك الذي تَجتهد هي في أن تُضَمِّدَه بِكَفِّها.. حركة المرأة على هذه الشاكلة تتجاوز حدود تأنيب الضمير كما قد تَفعل أيّ متهورةٍ تَرى مِن الحكمة أن تَثْأَرَ لنفسها وتَطلب الانتقام، أما البطلة هنا، فهي تَمسح على قلبها وتُهَدْهِدُه لِتُنَوِّمَه أو تُخَدِّرَه رغبةً في تخفيف وقع الصدمة التي تَخِزُها كشَوكة سامّة.. أما الكفّ اليمنى، فهي (البطلة) تَستند بها على حائط البيت، لكننا لا نَدري هل تَصنع المرأةُ ما تَصنع لأن جاذبية مغناطيس الشوق لا تَسمح لها بالرحيل بِبَحر عاطفتها الملتهبة بعيدا عن أنفاس الرجُل الخائن، أم أنها تَصنع ما تَصنع لأنها صارَتْ على مشارف الانهيار بعد أنْ تَحَسَّسَتْ مَشْهَدَ الخيانة بقلبها وعينيها، فأبى دُوارُ الحُبّ إلا أن يُعطِّلَ قدرتَها على الفعل، أو ألفِعل الْمُضَادّ، ويُفقِدَها توازنَها، مع أنها لم تَتوانَ عن أن تُقاوم السقوط، وتَحتفظ لضفيرة الحُبّ، التي كانَتْ، والإحساس الذي كان، بما تَبَقَّى مِن شرائط وخُيوط.. الخيانة تُبَلِّلُ سراويل الحُبّ الداخلية، فيَخجل الْمُحِبّ مِن أن يَنكشف أمرُه وهو تحت تأثير صفعةِ الغَدْر به.. هكذا تَتَوارى بطلةُ لوحة فيليب هيرموجينيس كالديرون خلف سُور البيت مغمضَة العينين كمقدمة ومَدخَل إلى الهروب.. بل أكثر مِن هذا نَجِدُ أنَّ البطلة ما أَغْمَضَتْ عينيها إلا تسجيلا لِرَفْضِها أن تُصَدِّقَ ما تَراه بعينيها الاثنتين بعد أن كَذَّبَتْ عينَها الثالثة (قلبها)، ولا امرأة يَصِحّ لها أن تُكَذِّبَ إحساسَها لِتُصَدِّقَ رجُلا يَرقص على حبل نَزواته تلك الآيلة به إلى السقوط.. لا سقوط هنا سِوى هذا الذي جاء مِن توقيع بطلة اللوحة، وكأن فيليب هيرموجينيس كالديرون مِن وراء كل هذا التخطيط الفلسفي يَشرح ويُؤَكِّد أن الحُبّ الحقيقي يَنبع مِن أعماق ذات المرأة، بينما تَظلّ عاطفةُ الرجُل مِزاجية، تَتَقَلَّب عاطفتُه هو كَمَوْج البحر، فلا يَرمق جَمالا لم تَتَعَوَّدْ عليه عيناه إلا ويَسقط وقارُه وجُبَّةُ حِكمتِه عند قَدَمَيْ صاحِبتِه، ويَذوب مُكَعَّب الحُبّ المسكين ذاك الذي كان يكنّه للمرأة التي تَسْبقها في صُعود سُلَّم القلب.. المرأة المثالية في حُبِّها تَستر أكثر مما تَفضح، وحتى في مَشاهِد الخيانة نَجِدُها بطلةَ الحكمة، ولهذا أبى فيليب هيرموجينيس كالديرون إلا أن يَضبط انفعالات بطلتِه ويَجعلها تَتَحَكَّم في نفسها بعد أن رَأَتْ ما رَأَتْ مِن تجاويف الباب المهترئ الذي يَسمح للبطلة بأنْ تَرى كُلَّ شيء وكأنها عدسة كاميرا لا تُفَوِّتُ لقطةً.. فماذا يريد فيليب هيرموجينيس كالديرون أن يَقول لنا مِن ثمة؟! هل يَرغب في أن يقول إن سقفَ العالَم الداخلي للرَّجُل مَثقوب لا يَحجب شيئا يُذْكَرُ؟! هل يريد أن يقول إن المرأة هي وحدها عُلبة الرجُل السوداء، ولا وجود لعلبة سوداء سِواها؟! هل يريد أن يقول إن الرجُل لا ينجح في إخفاء شيء غير ذاك الذي لا تُريد المرأة أن تراه؟! هل يريد أن يقول إن قلبَ الرجل مكشوف للمرأة وما من شيء يَفوتُها أن تَعرفه إلا إذا أرادت ألاَّ تَعرفه؟! كل هذه التوقعات يَجعلك فيليب هيرموجينيس كالديرون شاهدا عليها، وكأنه يَنوي عَبْرَ ما تُجَسِّدُه لوحتُه أن يَكشف الرجُلَ في عيون المرأة، إنها المرأة التي يُحَلِّق الفنان بريشته في أجوائها النفسية لِيُسَلِّطَ عليها الكثيرَ مِن الضوء.. الضوء نفسه الذي نتحدث عنه يتجلى في صورة أخرى مِن خلال مساحة الضوء التي يُوَزِّعُها فيليب هيرموجينيس كالديرون على أبطال لوحته الثلاثة لِيُوحي بالحيز الزمني والمكاني الذي يَجمعهم، ويُرَتِّب فوضى حياةٍ صغيرة نَأَتْ عنها بطلةُ لوحته مِن حيث الإحساس بها، لكن هذا لا يَمنع مِن أن تَكون المرأةُ المطعونة في أشواقها حاضرة هي الأخرى في مِرآة المكاشَفة.. وفي مقابل بُقعة الضوء التي تَشغَل حَيِّزاً مُهِمّاً مِن اللوحة، نَجِدُ بقعةَ ظِلٍّ تَشطر قلبَ اللوحة شطرين، وهنا نَغتسل أكثر فأكثر تحت شلال ذكاء فيليب هيرموجينيس كالديرون الذي يريد أن يَقول إنَّ لكل ما ظهر وبان ظلالا لن تَكون سِوى الجانب الخفيّ مِن حياة الإنسان، إنها ذلك الجانب المظلِم الذي يَسْتَعْصِي على المارّ مِن هناك أن يَتَصَفَّحَه لِيَفهم سطرا.. مِن هنا يؤكد فيليب هيرموجينيس كالديرون فكرةَ أن الحياةَ ضَوْءٌ وظِلّ، مساحة مكشوفة تَحجب ما وراء السِّتار في العَرض الساخر التي تُرَتِّبُه الأَقْدار.. كُلُّ هذا البؤس والشجن المؤذِن بموسم الخراب يُفَصِّلُه هذا الشقِيّ فيليب هيرموجينيس كالديرون بمقصّ الشحوب الْمُخَيِّم بِلَونه على مَشهد اللوحة، غير أن هذا لم يَمنع مِن أن يُغَلِّفَ فيليب هيرموجينيس كالديرون صورةَ الْمَظهَر الخارجي لبطلته الحسناء بِسَواٍد يَعكس حقيقةَ الخراب الذي تَسَلَّل إلى مَعبَدِ قلبِها لِيَأكلَ الأخضرَ واليابس.. وهكذا كان مِن الطبيعي أن يَعْزِلَ فيليب هيرموجينيس كالديرون الرجُلَ الْمُذْنِب والأنثى البديلة في الهامش، حتى أننا بِالكاد نُبْصِر رأسيهما على وجه التقريب وأيديهما العابثة بِوَرد الأمس، في إشارة ذكية مِن الفنان إلى أن الحياة لا تَبْخَل بقُبُلات مسروقة على الثنائي الشقِيّ الذي يَختلس قطعةَ ألفَرَح مِن خزانة حياة الآخَرين الذين يُصَيِّرُ الزمَنُ البَشِع الْمَلَذَّات عندهم مَذَلاَّت.. أما المرأة الحسناء البطلة رقم «1»، فقد صَوَّرَها لنا فيليب هيرموجينيس كالديرون كاملةً في أبهى حُلَّة رغم غَبَش الظلام الذي أَعْمَى فارسَها عن الإخلاص لِحُبِّ قلبٍ أَحَبَّه حدّ التطرُّف.. التَّطَرُّف في الحُبّ يا صديقي هو ما جعل الأنثى الحسناء (الضحية) بطلةَ اللوحة تُغْمِضُ عينيها عن ألفُجور في الخيانة، إنها الخيانة التي تَواطَأَتْ مع الرُّجولة الكاذبة (الْجَلاَّد) ضِدّ أشواقِ أنثى أَلْهَمَها الشَّوْكُ كيفَ يَتَفَتَّحُ الوردُ مكانَ كُلّ جُرح.. إنه الحُبّ يا هيرموجينيس.. ما أَدْهَى ريشتَكَ الغارقة في عِطر الورد! ما أَبْهَى لوحَتَك التي يَتَدَلَّى منها عِنَبُ الشوق! وما أَشْهَى سِلالَ الورد ذاك الذي يَثقبُهُ الشوك!
بقلم: سعاد درير

سعاد درير