كتاب وأراء

ألمانيا.. وزراعة الطماطم والبطيخ

في زمن العولمة والبوابات الاقتصادية المفتوحة، عرف أهل المناطق الحارة الثمار والفواكه والنباتات التي لا تجود زراعتها إلا في المناطق الباردة، فأكل أفارقة التفاح الأميركي الجولدن ستار والجولدن ديليشس والجالا وغيرها، وأصبح للكيوي شعبية واسعة في عالمنا العربي، خاصة إثر المعلومات التي تتحدث عن امتلائه وغناه بفيتامين سي، وانتقلت الكستناء من شمال المتوسط إلى دول تتشاطأ عليه جنوباً، وأصبح لكوب الكاكاو بالحليب شعبية جارفة في بلدان لا تزرع الكاكاو، مما سوغ استيراده مهما كانت كلفته، ولهذا تحول الكاكاو إلى بترول الدول الذي تزرعه.
المناخ هو الذي تولى منذ بدء الخليقة توزيع الغطاء النباتي في مناطق وأقاليم نباتية ينقسم إليها سطح الأرض، ومع ذلك فإنني شغوف جداً بجهد يبذله علماء الزراعة لشتل ونقل نباتات من بيئة إلى بيئة أخرى لا تعرف هذه النباتات، ولو كنت من الباحثين في عالم النباتات لنقلت إلى عالمنا العربي زراعة المطاط والكيوي والشاي والفلفل الأسود والكستناء والسفرجل والجوز واللوز والفستق والبندق وكل النباتات وثمار الفواكه التي نستوردها، ولوطنت معظم نباتات العالم في صحارينا الجرداء الصلعاء، ولشجعت على ترخيص تحلية مياه البحر لنروي ظمأ هذه الصحاري ولكن للأسف الشديد، فما أكثر كليات الزراعة في عالمنا العربي دون أن يكون لها حصاد يذكر، ولهذا فإن هذه الكليات وفشلها في تغيير الواقع الزراعي في عالمنا العربي مسؤول إلى حد كبير عن ارتفاع فاتورة الغذاء المستورد، حتى أن شعوبنا صارت سوقاً لكل من يزرع ويحصد في العالم.
واللافت أننا مازلنا ننظر إلى الهندسة الوراثية في عالم النبات بشيء من الارتياب رغم أنها وسيلتنا التي لا بديل عنها لتطويع نباتات عدة لظروفنا المناخية والبيئية، وفي إسرائيل كانت المهمة التي لم يتوانَ عنها علماؤها وباحثوها هي أقلمة نباتات عدة لا تزرع فيها للظروف البيئية في الدولة العبرية، والآن اختلف الأمر جذرياً، حتى أن إسرائيل صارت تقدم للهند أم الزراعة في العالم خبراتها لإنتاج الطماطم وغيرها..
والغريب في هذا الصدد أنه يحدث أن تستجيب بيئة زراعية لنباتات بيئة أخرى على العكس تماماً من كل المتوقع، وما حدث في ألمانيا مثال على ذلك، فقد آثار استغراب الألمان وجود نباتات تنمو في المناطق المعتدلة أو الحارة قد وجدت طريقها إلى ألمانيا، إذ عثر الألمان على العديد من نباتات الطماطم، بل وحتى البطيخ قد ظهرت مؤخراً على ضفاف نهر الراين.
ولا أظن أن الألمان سوف يفوتون هذه الظاهرة دون استثمارها، ولا استبعد أن تفاجئ ألمانيا جيرانها والعالم قريباً بأن تكون من كبار مصدري الطماطم والبطيخ، كما لا استغرب أن هذه الظاهرة الغريبة قد تشجع الألمان على تجريب زراعة المانجو الفص والألفونس والتيمور والزبدية والكيت والصديقي.

حبشي رشدي