كتاب وأراء

سؤال المواطنة والهوية فـي الخـلـيـج الـعـربـي

على مدى يومين ناقش مؤتمر المركز العربي بالدوحة في الأول والثاني من ديسمبر الجاري، أوراق عمل ومحاضرات مكثفة في منتدى الخليج العربي، دارت حول محوري الهوية الوطنية في الخليج والعلاقات الأميركية الخليجية، وكلا الموضوعين يحملان أهمية بالغة، إذ إن وحدة النسيج الاجتماعي الوطني في الخليج العربي وأقطاره، هو في ذاته ضمن قواعد الاستقرار الاجتماعي، الذي يعزز السلم الأهلي عبر المواطنة، حين تقوم على الكرامة الفردية. وهنا نلحظ المشكلة الكبرى التي تتعاظم في السعودية، جراء تأثير خطاب التحريض، الذي هيمن على منصاتها الاجتماعية، وصحفها ومؤسساتها الرسمية مع أزمة الخليج، في ثقافة بالغة الخطورة من العنصريات المتعددة، والتي لاتزال فاعلة، وتحت قصف هذا الخطاب ذاته، استهدف الشهيد جمال خاشقجي، منذ خروجه من السعودية. فتلك الحملة العنصرية البغيضة، التي هدفت إلى ضرب قطر اجتماعياً، ارتدت سعودياً بصورة أكبر، ولا تزال تعصف في عمق علاقتها الشعبية، وتهدم كل ما يمثل وحدة وطنية، بحكم أن الدولة في خطابها الرسمي وعبر مستشاري الديوان الملكي، تبنت خطاب الفصل العنصري بين المجتمعات، وهي قضية لم تبدأ باضطهاد حاضرة الحجاز وتعييرهم، بل مورست قديماً، خاصة على إقليم الأحساء. والسادية الشوفينية التي يخاطب بها الكاتب العنصري المتطرف، محمد آل الشيخ القارئ، ومنه المواطن السعودي، هي ضن ثقافة قديمة، تطورت وتحوّلت في مراحل زمنية، إلى ما يشبه العنصرية القومية، التي يقاس عليها ولاء الشعب من عدمه، فيُقيّم الناس بقدر ما يقدمون، من ولاء لهذه العنصرية ومركزها الحاكم، بعيداً عن أي معيار للمواطنة القائمة على الكرامة الفردية. إن الكارثة السعودية التي تتفاعل، هي في الحقيقة رسالة جماعية لكل دول منطقة الخليج، وليس الرياض فقط، وأن ما يتم في ثقافة البعض، من تحويل العنصريات والولاء التقديسي الأعمى، إلى شرط للاعتراف الوطني، هو منهجية هدم للدولة المعاصرة، وأن المواطنة الحقوقية والمجتمع المدني، لكل شرائحه التي يقوم عليها الشعب العربي في الخليج، وخاصة أبرز مكونين، الحاضرة والبادية، هو الرهان المستقبلي لصناعة المواطنة الصلبة، وولائها للأرض القومية، وانسجامها المتحد في الدفاع مع الدولة الرشيدة وقيادتها. إن من الخطورة بمكان، أن يُعتقد أن قيم المواطنة الحقوقية، وتعزيز الحقوق الدستورية الضامنة للكرامة الفردية، هي بناء هش للولاء الوطني، بل هي ركيزة مطمئنة، تعبر بها الأجيال نحو نهضتها المعرفية، لتكون رافدَ بناءٍ قومي متميز، بالتعليم والوعي والتقدم الحضاري، باسم المواطن والوطن بكل أركان كيانه وشرائحه. وهنا ستخوض التجربة المعرفية، للخليج العربي مرحلة وعي مهم، تعالج الفكرة الخاطئة، بأن المجتمع المدني هو مصطلح تغريب، يقوم على نفي المرجعية الإسلامية للشعب، وبالتالي لا بد من رفض هيكلته، والذي يندرج تحته مخاوف أخرى، من الاعتقاد بعدم الولاء للدولة والمؤسسة الحاكمة، أخذاً في الاعتبار بأن الحكم وشعبيته، يقوم على ركيزة العدالة التشريعية والمساواة الدستورية، وكلما قويا هذان العنصران، قويت الدولة بشعبها وحكمها. فالمجتمع المدني بمعناه المعرفي الحيوي، هو تنظيم حراك الشعوب واحتياجاتها، وعلاقاتها الإنسانية والوطنية، في إطار مدني لا أيدلوجي ولا تجزيئي، والمدني هنا لا يشترط فيه مطلقاً، تنحية الفكرة الإسلامية إنما البناء على مقاصدها، وعلى قواعد الدستور الأخلاقية والحقوقية، كأساس لربط الناس بقيم العدالة والمؤاخاة، والتضامن في كل قُطر، بغض النظر عن مذهبهم وعرقهم وانتمائهم الاجتماعي، فالعدالة والمساواة الحقوقية هي من قيم الإسلام الكبرى وأصل رسالته. أما تصحيح الخطأ الثاني، فهو الاعتقاد بأن المجتمع المدني هو مؤسسات تتدخل في كينونة الفرد وفضائه الخاص، أكان على سبيل المثال منتمياً للبادية أو الحاضرة، ضمن ثلاثية أهل الخليج العربي، أهل الساحل وأهل البادية وأهل الزراعة، حيث فرضت الجغرافيا الطبيعية نمطاً اجتماعياً على أهل الخليج العربي، كتكتلات شعبية عفوية، وهي من الأمور الطبيعية التي تتأطر بها الجماعات البشرية.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل