كتاب وأراء

المواقف العربية من الاحتجاجات الفرنسية

تميزت ردة فعل الرأي العام العربي حول الاحتجاجات الفرنسة الأخيرة أو ما عرف بمظاهرات «السترات الصفراء» بالانقسام الكبير. فقد رأى فيها البعض مؤشراً على حيوية الشارع الفرنسي والمجتمعات الأوروبية بشكل عام والتي لاتزال تمتلك القدرة على الاحتجاج والتعبير. إلا أن فريقاً كبيراً آخر اعتبرها علامة على أزمة اجتماعية كبيرة بل ذهب البعض إلى تسميتها بالربيع الفرنسي نسجاً على منوال الربيع العربي الذي قد يهدد بسقوط النظام الفرنسي نفسه. لا تخلو نبرة الفريق الأخير من الشماتة حيناً ومن الغفلة أحياناً عن طبيعة المجتمع الفرنسي والمجتمعات الأوروبية بشكل عام.. فالاحتجاجات الأخيرة ورغم ما تخللتها من مظاهر العنف والتخريب تبقى تقليداً فرنسياً راسخاً في حرية التعبير والحق في التظاهر والاحتجاج على ممارسات حكومية يعتبرها المواطن مساً من حريته الشخصية أو تهديداً لقدرته الشرائية بشكل عام. وهي تقاليد تختلف جوهرياً وتكاد لا تقارن بمستوى الحريات الفردية والجماعية في الدول العربية التي ترى في هذه الحرية جريمة ومحرماً وتهديداً للدولة والمجتمع والأمن. لكن اللافت في المواقف العربية هي المقارنة بين عالمين يختلفان كلياً في تصور حدود الحريات ومجالاتها، إذ تواجه الاحتجاجات والمظاهرات عربيا بالقمع والرصاص وحتى بالأسلحة المحرمة في حين تبقى أوروبيا مجالا للتنفيس الاجتماعي وإن تخللتها أحيانا ممارسات عنيفة من قبل الأمن وقوات مكافحة الشغب خاصة عند تعرض الممتلكات العامة والخاصة للنهب والحرق والتخريب. تنسى المواقف العربية أن شعوب هذه المنطقة من العالم قد خاضت صراعات دامية مع المنظومات الاستبدادية التي حكمتها طيلة قرون وقد دفعت في سبيل ذلك ثمنا باهظا لعل آخره الحرب العالمية الثانية التي ذهب ضحيتها أكثر من خمسين مليون نسمة. وتنسى كذلك أن المواطَنة تضمن للفرد حقوقا كاملة وعلى رأسها حق التعبير في حين لايزال الإنسان العربي يذهب ضحية القمع والتعذيب والتنكيل في معتقلات الأنظمة وأقبية السجون. الربيع العربي كان في جوهره احتجاجا على الظلم والاستبداد السياسي وقد اندلع من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية التي كانت تتطلب إسقاط النظام. أما الاحتجاجات الفرنسية فهي تهدف إلى تحسين شروط العيش وإلى مراعاة القدرة الشرائية للمواطن أمام تغوّل الشركات الخاصة وانهيار الخدمات العمومية بشكل لافت. الاحتجاجات الفرنسية حركة معدِّلة للمسار الاجتماعي والسياسي وليست مُلغية له أو مطالبة بإسقاطه وهذا هو جوهر الفرق بين الاحتجاج في إطار الحرية والقانون وبين الثورة ضد الاستبداد والقمع والفساد وضد إلغاء إنسانية الإنسان.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد