كتاب وأراء

اشتهاءات تَنطفئ..!


أن تَشْعُرَ بالرغبة في قَطف لوزِ الحياة، هذا هو الاستثناء، لكن القاعدة هي أن تَظلّ تَشعر بالفتور تجاه الحياة مادام سياج اليأس في مرآة اليقين يُعفيك مِن جَنْيِ لوزها الْمُرّ..
بِذَكاءٍ، لا تَستَوْعِبُه مِساحةُ جُنون، فطن منذ وقت طويلٍ إلى هذه الحقيقة الفنانون التشكيليون، ولهذا تَأْتِينا لوحاتُهم التشكيلية بأخبار حقيقةِ زُهْدِهِم فيها (الحياة) حدّ النُّفور منها..
هذا البُرود الجاثم انتبه إليه صاحِبُنا بابلو بيكاسو PABLO PICASSO، وربما يَكونُ أكثر لوحاته قُدْرَةً على تجسيد وطأةِ الإحساس، ذاك، لوحتُه الناطقة بِبُؤْسِ أصحابها «فقراء على شاطئ البحر DES PAUVRES AU BORD DE LA MER»..
في صورة مَشْهَد مَضْغُوط، يُجَسِّدُ حياة صغيرة، يَكتب لنا اللونُ الأزرق قِصَّةَ بُؤْسٍ يُمَدِّدُه بيكاسو وفق رؤية فنية تَرى مِن العبث ألاَّ يَسقطَ عند رصيف الألم ثوبُه الوردي ذاك الذي يَزيدنا شهوةً في حَصاد حَبّ الحُبّ..
إنه لون الحياة الغائب، لونُ الورد هو، وكذلك لونُ الْحُلم هو، لكن المسكين بيكاسو لم تَكن تَدور في فَلَك رأسه سِوى الأفكار التشاؤمية النابضة بالحزن وهو (بيكاسو) يُمارس طَقْسَه الخاص حُزْناً على موت صديقه الحميم كارلوس كاساجيماص CARLOS CASAGEMAS، إنه كاساجيماس الطائر الأليف الذي كان يَضخّ هواءَ العزاء في حزنِ سماء بيكاسو قبل أن تَرشقه، بمطر ألفَقْد والحرمان، لوعةُ الانتحار تلك التي تَكسر مرايا الوجدان، لا بل تَصلب الروحَ على حائط الذاكرة، وتُلَطِّخُ منديلَ النقاء الإنساني لِتَيبس شَجَناً مُضْغَةُ القلب الحائرة..
لذلك غرقَتْ لوحاتُ بيكاسو في بحيرة زرقاء رَأَتْ مِن غير العدل ألا تَحزنَ اللوحات هي الأخرى لِتَتَواطَأَ مع قلب الفنان ضِدّ الرغبة في مَدّ جسور تَليق بحياةٍ يَتوقُ إليها الإنسان..
بِرُؤوس أقلام ريشته الأمَّارة بإفشاء سِرّ الحزن، الكبير، لا يَجِدُ بحرُ بيكاسو الأزرق حَرَجاً مِن لعبة التَّشْفِير، فإذا به يُصَيِّرُ كُلَّ بُعدٍ ومساحةٍ شَفْرَة.. فماذا عن الحفرة؟!
حفرة بحرارة جهنم المشتعلة على الأرض تَبْتَلِعُكَ لِتَقُودَكَ إلى أبعد نقطة في القاع حيث الانصياع للدرجة الصفر. لِنَقُلْ إن هذا أَمْثَل وصف لحالة اللاحالة بين الـ«لا» و«نَعَم»، بين اللاكَلام واللاصَمْت، بين اللاوُجود واللاعَدَم، بين اللاحَقيقة واللاوَهْم، بين اللاحُضور واللاغِياب، بين اللاذَهاب واللاإِياب، بين اللاقبول واللارفض، بين اللاثَناء واللاعِتاب..
إنها حالتكَ، يا هذا أو ذاك، يا من تَشكّ في أنني أسمعكَ وأراكَ وأحسكَ إلى آخِر مداكَ.. إننا معا يا صديقي نَقطع جسرا آيلا للسقوط، يَحُدُّنا مِن الأعلى سقف مثقوب، ومِن الجوانب أسوار تَفتح أبوابَها للغُرَباء أمثالنا مِمَّنْ ضَلُّوا الطريقَ إلى الحياة..
هؤلاء غابَتْ عنهم بالْمِثل مظَلاّتٌ قد تُسْعِف لِتُحَلِّقَ بهم في اتجاه بيت العزلة، إنه الموت في أرقى تجلياته، لكنْ مَنْ يُصَدِّق أن هذه المظلات الافتراضية كاشفة أكثر مما تَحجب وفاضحة أكثر مما تَستر، فلا سبيل إلى نَفْسِك الضائعة منك سِوى انقطاع السبيل..
ما سبق مِن إشارات يُحاول صديقُنا بيكاسو أن يُرَتِّبَها في كلمات، كلمات صامتة كَتِلْكَ تَكفي لِيَمْلَأَ بها الفنان ما تَيَسَّرَ مِن مساحات، إنها مساحات لا تَأخذ مكانَها الطبيعي على أرض الواقع، لكنها تأتي مضغوطة في صورة أداةٍ رمزية..
أدواتُ بيكاسو الفنية تُهَيِّئُه لِتَشكيل عالَمِ لوحةٍ بِفُستان قصيدةٍ بائسة عنوانها ألفَقْر، قصيدة سَقَطَتْ أسنانها، لكنَّ فَمَها الشقِيّ مع ذلك مازال لسان حاله يَقول لكَ: «تَأَمَّلْنِي وكَفَى»..
لوحةُ «فقراء على شاطئ البحر» تَزْحَفُ إليكَ زَحْفَ قصيدةِ رثاء، تَزْحَفُ حافيةَ القدمين لِتَشرح لك فَلْسَفَةَ الحذاء..
فأيّ درسٍ ذاك الذي يُعَلِّمُنا إياه بيكاسو من خلال فكرة الحذاء الغائب عن أقدام أبطال لوحته؟!
هل يُريد أن يَفتَح عيون العقل (عند مُتَلَقِّي لوحته هذه) على مَنْطِقِه العَصِيّ؟!
أيّ مُفَارَقَة يَقِفُ بنا عندها وهو يَطْوِي ظَهْرَ ريشتِه طَيّاً في دعوةٍ لنا إلى تفسير ثنائية الجَزْر والْمَدّ، مِن خلال مَزْجِه بين الإيحاء بالحرارة تارة (أقدام تَكاد تَغدو مُبَلَّلة على الشاطئ)، وتارة أخرى بالبَرد (أبطال يَتَأَزَّر كل منهم بما يَكفي لاتِّقَاءِ شَرّ لسعات درجة الحرارة المنخفضة)؟!
إنه مَشهد يَبلغ ذروتَه على مستوى فَنِّيات تسجيل لحظات الإحساس بالبرد في مساحة فارغة لا يُؤَطِّرُها بُنْيان، ولا تَحُولُ بين يابستها وبَحْرِها جُدران.. لكنْ لِنَقُلْ إنه الميزان، إنه ميزان بيكاسو ألفَنَّان الذي يَزِنُ المتناقضاتِ بما لا تُخْطِئُه ذائقةُ إنسان خَبَرَ الغبنَ والعزلةَ والانكسارَ والخيبةَ والبؤسَ والقهرَ والفراغَ الروحي والهَوان..
كَأْقدام أبطال لوحةِ بيكاسو الفقراء نَمْضِي حُفاة، وبالْمِثْل تَمضي بنا الحياة، فهي لا تُعطينا كل ما نَشتهيه، وإذا أَعْطَتْنا حَرَمَتْنا وسَلبَتْنا، فإذا باشتهاءاتنا سرعان ما تَنْطَفِئ.. ولهذا يَتركنا قَدَرُنا مُعَلَّقِين، لا نَدري إن كُنَّا أحياءً بالفِعل أَمْ كُنَّا مَيِّتين..
على الشاكلة نَفْسِها يَترك بيكاسو أبطالَه الفقراء لِحُكِم أصابعه الواقفة عند باب قَدَرِ رؤيته الفنية التي تَرى مِن غَير الحكمة أن يُنْصِفَ الفنانُ شخصياتِه، كيف له ذلك هو الذي يَعترف تَشكيلاً بِقَسوة زمنه، زمن غير منصِف اسْتَكْثَرَ عليه الْمَعقول وزَجَّ به في سجن العَبَث..
لهذا وَجَدْنَا مِن الطبيعي أن يُغَلِّفَ بيكاسو لَوْحَتَه بمُسوخ آدمية، وإلا ما معنى الْحَفَا، في حالة فقرائه، وما معنى الْعُرْي؟!
إنه عُرْيٌ مجازي لن يُفْلِحَ بيكاسو في مداراته مَهْمَا مَوَّهَ بأردية حقيقية لم تَشْفَعْ لأبطاله حتى تَتَحايَلَ على البَرد الذي يُجَمِّدُ لقطاتٍ مِن حياة جَفَّ الدَّمُ في عروقها، وهو ما يَعكسه بجلاءٍ المرئيُّ في الْمَشْهَد..
عُنْفٌ باردٌ ذاك الذي لا تَبخل به عقارب ساعة الحقيقة كما يُرَتِّبُ لها الْمَشهَدُ إيذانا بإعلان قرارِ استمرار معركة الحياة، معركة هي لا يَتَبَدَّدُ اشتعالُ جمرِها، وكُلَّما أَوْشَكَ على النهاية يَعِدُ بِبِداية..
الرَّجُلُ والمرأةُ الماثلان في المشهَد لا تَعليق على انهزامهما واستسلامهما أمام كلمة القَدَر البارد ذاك الذي صَنَعَ بحرارةِ جسديهما ما تَصْنَعُه بالوعة.. لكنها قسوة الحياة شاخِصة على خشبة العرض الأخير تُفَسِّرُ نَفْسَها بِنَفْسِها ولا تَحتاج منك لِتَفهمَها إلى أن تَكونَ خبيرا بمعرفةِ موسوعة..
بَرْدٌ لا يُحْتَمَلُ يَرسم له بيكاسو ما تَقوله شَفَتان ولسان، بَرْدٌ قارس يَأكل شيئا مِن قالَبِ وقَلْبِ الرَّجُل والمرأة مَهْمَا خَدَعَنا الْمِئْزَر أو الملابس الرَّثَّة مِن ذاك الذي يَلْتَفُّ فيه الجَسَدان.. إنه البُرود الذي تَسَلَّلَ إلى كُلّ قِطعة فِينا ودَمَّرَ كُلَّ خَلية، فما عادَت النَّفْسُ تَدري أَمَيِّتَة هِيَ أَمْ حَيَّة!
أمَّا أن نَربط هؤلاء الأبطال الحُفاة بالبقية مِن قصة مناخ الحياة البارد، فهذا يَزيد الطينَ بَلَّة، إذ لا شك في أنَّ موسم البرد المخيِّم سيَسْرِق نشوةَ الإحساس بالتوازن، لِتَحلّ رعشةُ الإحساس بالفوضى الوجودية التي يُنْهِي ضبطَ إيقاعها صوتُ جرس الموت..
حُضور قوي لمعاني الإذعان لِسُلطة القَدَر البارد يُجَسِّدُها انكماشُ الرَّجُل والمرأة إيحاءً بالعجزِ، وانحناء رأسيهما المتدلِّيَيْن (مِن وطأة قلة الحيلة) لا غرابة أنه يصورهما لنا كَتِينَتَيْن فاتَهُما أوانُ القطف بعد انتهاء زمن النضج..
عضلاتُ وجوه البطلين الكبيرين، وكذلك الصغير، تُوحي بما لا شك فيه بالتشنج وانسداد الأُفُق وفَشَل مفاوضات الْمُكابَرة في مَحْكَمَةِ قَدَرٍ لا يَرْحَم..
أَطْوَلُ خِطاب قد تَسمح به اللغةُ الْمُعَطَّلة في حالة فقراء بيكاسو سيَكون: «وبَعْد؟!».. لا أمل في قارب النجاة مِن تَشَظِّي الروح وتَآكُل الذات، لا أبواب غير تِلْكَ الْمُوصَدة في ليل وجوه الفقراء، لا نوافذ مشرعة على الْحُلم بالقفز على حواجز التجربة الحارَّة حرارةَ فُلْفُل أَسْوَد يَلسعُ أكثرَ المناطق حساسية في جسدكَ الخائِر..
الخَــطّ الأُحادي الذي تَقَفَّاه اللونُ الأزرق يُعطيك انطباعا عن وَقْع وواقِع الصَّدْمة، إنها صدمة موت كاساجيماص تلك التي لَوَّنَتْ لوحات بيكاسو بلون الصَّدمة لِتُتَرْجِمَ حالةَ اليأس.. فثمة أمواج مِن الزرقة تَقول بِحُرقة ما عجزَ عن قوله القَلَم في جلسةٍ حميمية مع ورقة، مُمَدَّدَة، تُسَلِّمُ مَفاتيحَها بِرَوِيَّةٍ وتُؤَدَة..
إنه الحزن، وثَوب الحزن فضفاض، تَضيع فيه أنتَ قَدْرَ ضياعك في فسحة الأمل المظلمة تلك الْمُسَمَّاة حياة.. إنه الحزن الذي يَتَصَبَّب زرقة إحالة على مواقع التوتر الذي اسْتَفْحَلَ في أجواء منطقة اللاَّعَقْل على بُعْدِ نَفَس مِن قلعة الجنون، ولْيَكُن الجنون الإبداعي الخلاَّق..
ألا نَرى أن بيكاسو في هذه اللوحة تحديدا يَستجيب لدعوة سقراط «تَكَلَّمْ حتى أراك»؟! ومِن ثمة وَجَدْنا صاحبَنا الشاعر الأخرس يَتحدث بلسان شِعره الأخرس الناطقة به خطوط لوحتِه السابحة في مُحيط أزرق ليَحكي ما تَحكيه الجدران الحزينة..
أبطال لوحة بيكاسو الفقراء يَقِفون كجُدران، لا تَصمد أقدامهم على أرض صَلبة، كأنَّ موجَ الحياة مُقْبِل لِيَجرفها إلى حيثُ شاء، لذلك تَستدرج بحيرةُ البؤس خُطاهم المتحجِّرة لِتُعَلِّقَها كمسمار ضارِب في عُمقِ الجسد المتَصَلِّب قسوة..
حُزْنُكَ (يا «أنتَ» ويا «هُوَ») كما يُصَوِّرُه بيكاسو لا يَختلف عن مقــصّ أظافر يُقَلِّمُ رغباتك المجنونة في طَلَب ثوب العيش، فلا حياةَ لحياة تُنــادي أنـتَ بها مَهْما صرخْتَ وركَعْتَ عند قَدَمَيْها..
الشقِيّ بيكاسو يَبخّ لوحة كهذه بِبَخَّاخ إحساسه الأزرق لِيُعبر عن لحظات قَلَّما تَنفلت دون أن تَسحب معها الروح.. إنه تعبير انهزامي لشخصية كسَرَتْها الجروح قبل أن يَجبرها الفنُّ وتُداويها الريشةُ بعناد الجبابِرَة في زمن العبيد..
«فقراء على شاطئ البحر» معزوفة حزينة تَحكي مَوَّالَ فقراء ليسوا في حاجة إلى شيء أكثر من الإحساس بالحياة ذاك الذي يَفتقرون إليه، فقراء هُمْ ليس بِهِم جوع أكثر مِن جوعهم إلى أنفاس الحياة..
لكنَّ حركةً غريبة سَجَّلَتْها كاميرا ريشة بيكاسو وسَجَنَتْها بين قضبان الموت: ماذا يُريد صغيرُ الأبطال أن يَقول بحركة يديه أكثر مِن رغبته الجارفة في «ضَرْبَة سِمْسِم» تَكشف لهم أسرارَ الحظ العاثر الذي نَسِيَ أن يَتوقف عند زمنهم ليُعيدَ إليهم مناخَ الحياة تلك التي بِوُسْعِها أن تُعيدَ السخونةَ إلى الشرايين وتَمسح كتابَةَ القَدَر على رمال الشكّ قبل أن يَجرفَها اليقين؟!
لَعَلَّها حركــة تُفيد حُسْنَ الظن بالحياة مَهْما جلدَتْكَ إلى أن يَقول القَدَرُ عكس كلمته الأولى تلك التي فهمتَها أنتَ بما لا يَحتاج إلى شرح!! لَعَلَّها.. ولَعَلَّها.. ولَعَلَّها.. لكنْ أَتَحَدَّاكَ يا صديقي أنْ تَكون هذه رسالة بيكاسو زمنَ سقوطه في بِئْرِه الزرقاء حُزنا على رحيلِ عزيزٍ ما كان لِيَعِدَ باسْتِئْناف اللقاء..
عَزيزي بيكاسو، حَقّاً ما أَدْهَى عضلاتك التعبيرية في مدينة الرموز تِلْكَ التي سَكَنْتَها وسَكَنَتْكَ! نَمْ بِسَلام، مع حُبِّي..
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير