كتاب وأراء

أوروبا تبحث عن نفسها

أثبت الرئيس الفرنسي ماكرون أن «الديجولية» لم تمت، وأن هذه الحركة السياسية المؤيدة للزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول بوصفه زعيماً للحكومة الفرنسية في المنفى خلال الحرب العالمية الثانية، ثم بوصفه رئيساً للجمهورية الفرنسية هي حركة لازالت باقية، وأن فلسفة ديغول السياسية المتمثلة بإيمانه بضرورة إنشاء أوروبا قوية متحررة من سلطان الولايات المتحدة الأميركية هي فلسفة تجذرت في سياسات الفرنسيين منذ زمن وقد تجلى ذلك فيما قاله الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مقابلة مع قناة «سي إن إن» الأميركية قبل أيام، ومفاده إن على أوروبا أن «تبني استقلالية» دفاعها بدلاً من شراء الأسلحة من الولايات المتحدة، وأنه لا يريد رؤية الدول الأوروبية ترفع من ميزانيات الدفاع لشراء أسلحة أميركية أو أخرى أو معدات من إنتاج صناعتكم، بل إنه إذا زدنا ميزانيتنا، فالغرض بناء استقلاليتنا..
وليس الرئيس ماكرون هو الذي طالب فقط باستقلالية أوروبية، وخروج القارة العجوز البيضاء من طابور التبعية لبلاد العم سام، بل إن وزير المالية الفرنسي برونو لومير، دعا لجعل أوروبا إمبراطورية تكون شبيهة بالولايات المتحدة أو الصين على الساحة الدولية، ما يعني أن أوروبا تتغير بالفعل، فالبريكست اخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لتستغل باريس وغيرها ذلك في مسعى جاد وفعلي لأجل استقلالية أوروبا.
أغضبت كلمات ماكرون الرئيس الأمريكي ترامب، فوصف دعوة ماكرون بأنه مهينة للغاية، في الوقت الذي رحب فيه الرئيس الروسي بوتين بدعوة الرئيس الفرنسي، مؤيداً اعتماد أوروبا على نفسها واستقلاليتها.
مفكرون ومحللون أوروبيون يرون أن واحداً من أهم أسباب الانكماش الأوروبي في العقود الأخيرة هو التبعية الأوروبية للولايات المتحدة، وأن السبيل الحقيقي لتحويل الاتحاد الأوروبي إلى قطب أكثر تأثيراً في النظام الدولي المتعدد الأقطاب هو بناء أوروبا جديدة تكون على مسافة مستقلة من واشنطن، ومن الواضح أن باريس تقود فعلياً هذا الاتجاه الديجولي الذي يجري إحياءه، ولا تخفي مسعاها أيضاً إلى جعل اليورو منافساً قوياً للدولار في السوق الدولي، على الرغم من أن الشركات الأوروبية لازالت تعتمد على الدولار الأميركي في معاملاتها.
ردة فعل واشنطن تجاه هذا التوجه الأوروبي قد لا تقتصر على شعور الرئيس الأميركي بالإهانة، فهناك إصرار أميركي لا يخفيه الرئيس ترامب على التنصل من كل فواتير الدفاع عن أوروبا، أو ما يسميه الاقتسام العادل للأعباء الدفاعية، وسيكون أول ما يترتب على ذلك خوض أوروبا تحديثاً كبيراً لترساناتها العسكرية، وربما السعي جدياً لتشكيل جيش أوروبي موحد، في سياق اعتمادها على نفسها، ولملء الفراغ الذي سيترتب على سياسات الرئيس ترامب.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي