كتاب وأراء

«الاقتصاد» في علاقات الثلاثة الكبار

هل صار عالمنا ثلاثي الأقطاب بعد أن كان ثنائياً لسنوات خلت، وأن اثنين من ثلاثته وهما روسيا و الصين في خندق واحد، بينما القطب الثالث الأقوى و الأثقل وزناً وهو الولايات المتحدة الأميركية في الخندق المضاد.
رئيس اللجنة الموحدة لرؤساء الأركان الأميركية الجنرال جوزيف دانفورد أعلن مؤخراً أن روسيا لن تمثل خطراً على بلاده، مثلما تمثله الصين، بسبب عجز موسكو في الحفاظ على قدرتها الدفاعية الحالية، ما يعبر عن قلق أميركي من النمو الصيني المطرد، وبالخصوص التفوق الاقتصادي الذي جعل كريستين لاجارد رئيسة صندوق النقد الدولي تؤكد في تصريحات لها مؤخراً أن التغييرات الاقتصادية في الصين غيرت ليس الحياة الداخلية في هذا البلد فحسب، بل والاقتصاد العالمي كله.
ولكن الغريب في المخاوف التي أبداها الجنرال دانفور من التفوق الصيني المطرد تأتي، بينما لا يزال الصينيون يعتمدون في تسليحهم على السلاح الروسي، فبالإضافة إلى عقدين بين موسكو وبكين لتوريد منظومة «اس- 400 ومقاتلات «سو -35» فقد وقعت روسيا حديثاً مع الجانب الصيني ثلاثة عقود جديدة لتوريد أسلحة لم يماط اللثام عنها بعمد، أي أن بلاد العم ماو لا تصنع كل ما في ترسانتها من أسلحة، فضلاً عن أن كل ما تصنعه ذات جذور روسية المنشأ، فكيف- إذا- تقلق أميركا من الصين، ولا تقلق من روسيا بالقدر ذاته، بل ويتنبأ أحد كبار عسكرييها بأن روسيا لن يكون بوسعها الحفاظ على قدراتها الدفاعية الحالية..
تجعلنا هذه التقديرات الأميركية المستجدة نلتفت إلى أنها مبنية على تخوف أميركي من التغول الاقتصادي الصيني السريع والقوي، وأن من يملك الاقتصاد الأقوى، يمكنه بالنتيجة أن يملك القدرات العسكرية التي تحسب لها الحسابات، وأن معيار وأسباب التخوفات الأميركية من بلاد العم ماو تعزى إلى امتلاء الخزانة الصينية بتريليونات فائضة عاماً بعد آخر، بينما الروس، وعلى الرغم من امتلاكهم ثروات هائلة من النفط والغاز، وعلى الرغم أيضاً من مكانتهم في سوق السلاح الدولي، إلا أنهم ليسوا بثراء الصين الراهن والمستقبلي.
ويفسر لنا ذلك ضمناً سبباً من أسباب نزوع بلاد العم سام إلى جمع المال، وتقليص الإنفاق العسكري الأميركي في أوروبا و غيرها وتجديد الحياة الاقتصادية الأميركية، وتخفيض البطالة، وإعادة الصناعات الأميركية المهاجرة إلى عرينها الأول داخل أميركا، لتضمن أميركا استمرار تفوقها الاقتصادي، الذي ييسر لها تفوقاً عسكرياً بالنتيجة، إذ إن المشروعات الأميركية لتحقيق تفوق عسكري غير قابل للمنافسة باهظ الكلف.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي