كتاب وأراء

ضياع النخب الفلسطينية في سوريا

من المآسي التي رافقت نكبة فلسطينيي سوريا، وتهجير أهالي مخيم اليرموك، وعدد آخر من المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية، ضياع النخب الفلسطينية في سوريا، النخب الثقافية والمتعلمة، والنخب ذات الحضور الأكاديمي، والنخب ذات الحضور الاجتماعي، والتي وجدت ذاتها في ظلِ وضعٍ صعب، ومآلاتٍ قاسيةٍ، حَطَّت من قدرها ومن وزنها القيمي، وبالتالي لم تُمكنها الأمور وتفاصيلها من أخذ دورها، أو المبادرة لتخفيف وقع الكارثة التي هبطت على عموم أبناء فلسطين في سوريا، نتيجة التشابكات والتداخلات الكبيرة التي أحاطت بها، ونتيجة التعقيدات التي لفّت ومازالت تَلِفُ الأزمة السورية التي استعرت بشكلٍ فاق كل تصور.
إن الغياب العملي للمرجعيات الوطنية الفلسطينية عن لعب دورها المنشود في المجتمع الفلسطيني في سوريا في ظل الأزمة التي انفجرت، ووجود حالة من التباينات والاختلافات الفلسطينية الداخلية بشأن فهم وكيفية التعاطي مع الوضع الذي نشأ في ظروف الأزمة السورية، ساعد على ضياع الناس، وخاصة النخب الثقافية، والاجتماعية، وأصاب التمزق المجتمع الفلسطيني كله في سوريا بالرغم من المناخ العام لدى الناس الذي كان يؤشر لضرورة بناء موقف فلسطيني عاقل ومتزن عماده «الحياد الإيجابي»، ولعبِ دورٍ طيب في مسارات الأزمة السورية، والسعي للابتعاد عن كل ما له علاقة بتسعير الوضع القائم.
وبالنتيجة المنطقية، لم يَعُد للنخب الفلسطينية في سوريا من مكان، فشعور الاغتراب مازال يعشعش في دواخلها بالرغم من سنوات الإقامة الطويلة في البلد، وقد تغذى هذا الشعور أكثر فأكثر مع سلوك العديد من الأطراف السورية المختلفة، والموتورة، وعلى الجانبين، والتي كالت الاتهامات للفلسطينيين بشأن مجريات الواقع السوري، وعليه غابت النخب الفلسطينية في سوريا عن أي دورٍ يُذكر، وفضلت بمعظمها النأي بالنفس.
منها من هاجر وابتعد إلى بلادٍ بعيدةٍ، بهجراتٍ قسريةٍ، ينشد الخلاص الفردي والأسري، بعد أن اكتوى واتخمت ذاكرته بنكبة العام 1948، وبوجود حالة مستعرة في مسارات الأزمة لا تحترم ولا تقبل بدور النخب بعيداً عن العسكرتاريا ولغتها الأمنية الصرفة في التعاطي مع التفاصيل على الأرض.
ومنها من انزوى إلى بلادٍ قريبة كلبنان، معتقداً أنَّ اللاجئ الفلسطيني يموت ويدفع الأثمان من دون أن يكون طرفاً في الصراع أو سبباً فيه أو شريكاً. كأن عليه أن يدفع ثمناً من دمه إن أخذ موقفاً أو لم يأخذ.. إن تعاطف أو لم يتعاطف.. إن صمت أو صرخ.. إن بقي في البيت أو حاول الهرب.. إن تعطلت الكهرباء أو نفد الطحين.. لا أحد يريده لاجئاً أو عابر سبيل.
ومنهم القليل من اعتكف جانباً، طالباً بالحياد الكلي، بعدما بقي في البلد، ينتظر انقشاع سحب الدخان والمعارك باتجاه الحل السياسي.
وهكذا بات فلسطينيو سوريا، ومجتمعهم المُتعلم، والذي فاقت نسب التعليم عنده أرقاماً عالية، بات بلا نخب حقيقية، بل تاه ما تبقى من نخب في معمعان المقتلة السورية.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان