+ A
A -
سُئلَ أحد الممرضين المتقاعدين عن أغرب ما رآه خلال سنوات عمله في المستشفى فقال:
في أحد الأيام دخل إلى المستشفى رجل كبير في السن، وكان طوال فترة إقامته في المستشفى يزوره شاب كل يوم، يجلس معه قرابة الساعتين، يطعمه بيده، ويبدل له ملابسه، يمازحه ويلاعبه كأنه طفل، وأحياناً كان يمسكه وينزل به إلى حديقة المستشفى، فأعجبني ما رأيته من بر الولد بأبيه، وفي إحدى المرات التي كنت أعطي الرجل العجوز المريض دواءه، قلتُ له: يا عم إني أغبطك على هذا الابن البار، حقيقة كنتُ أعتقد أن أمثاله قد انقرضوا من هذه الدنيا
فقال لي: ليته كان ابني فعلاً تملكتني الحيرة والدهشة، وقلت له: ليس ابنك ويفعل كل هذا ؟! من هو إذاً ؟
فقال: هذا ولد يتيم كان يسكن في الحي الذي كنا نسكن فيه، رأيته ذات مرة بعد أن توفي والده بباب المسجد يبكي، فهدأتُ من خاطره، ومسحتُ على رأسه، وكنتُ كل يوم أعطيه حبة حلوى، فيأخذها بكل سعادة، ويشكرني، وبعد سنة أخذه أقاربه من حارتنا، ولكنه بقي كل مرة يزور مسجدنا فيصافحني، وها هو قد كبر وصار مهندساً، وعندما علم بمرضي صار يزورني كل يوم هنا كما ترى، وعندما سألته لماذا تتكبد كل هذا العناء ؟ ابتسم في وجهي وقال لي: يا عم ما زال طعم حبات الحلوى في فمي !
يقول ابن الجوزي: اصنعْ الخير وليقع حيث يقع، فإن وقع في أهله فهم أهله، وإن وقع في غير أهله فأنت أهله !
صنائع الخير لا تضيع، وإن ضاعت عند الناس فلن تضيع عند الله، وإني على يقين أن صانع المعروف إنما يفعله لوجه الله لا يريد عليه من الناس ثواباً، ولكن ما أجمل أن يكون الإنسان وفياً ولا ينسى معروفاً أُسدي إليه، فهذا خُلق الأنبياء !
في غزوة بدر خرج العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه مع قريش مكرهاً، ووقع في الأسر، وكان قد تمزق ثوبه، وكان رجلاً جسيماً، كان يشابهه بهيئته عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول رضي الله عنه، فأعطاه ثوبه، فحفظها رسول الله صلى الله عليه وسلم له، لهذا عندما مات والده عبد الله بن أبي زعيم المنافقين أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه ليكفن به أباه ولم يرده وفاءً لما كان منه يوم بدر !
وعندما رُجم صلى الله عليه وسلم في الطائف، وبلغه أن قريش قد قررتْ أن لا تسمح له بالعودة إلى مكة، فنزل في جوار مطعم بن عدي الذي أدخله إلى مكة وتعهد بحمايته، ويوم بدر جيء بالأسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال من فرط وفائه: لو أن مطعم من عدي كان حياً وكلمني في هؤلاء لأطلقتهم له !
ضَعْ قِطعَ الحلوى في أفواه الآخرين، وانسها، ولكن إياك أن تنسى اليد التي وضعتْ في فمك يوماً ما قطعة حلوى، فإن حفظ المعروف من شيم الأنبياء !

بقلم : أدهم شرقاوي
copy short url   نسخ
08/11/2018
6360