كتاب وأراء

القمع سيد الموقف .. ! «2 - 2»

المستبد يعتقد دومًا أنه المتحكم في خيوط اللعبة، يحرك الأوضاع كما يشاء ويغير معطياتها متى شاء، ويخرس من يشاء وقتما شاء، ولا يعلم أو يتناسى أن ما يتيقن أنها أسباب بقائه واستمراره هي نفسها عوامل فنائه واندثاره، القمع بالنسبة للمستبد أشبه ما يكون بجرعة المخدرات التي تعطي صاحبها شعورًا زائفًا بالنشوة والقوة والسيطرة الممتزجة بالبعد عن الواقع الحقيقي والعيش في عالم وهمي يخصه دون غيره ولا يمكنه الاستمرار بدون تلك الجرعة «أي القمع»، رغم أن الأثار الجانبية لها ستنخر عظامه وتبلي جسده وتفقره وسينهار في النهاية لا محالة، الاختلاف هنا أن المدمن على المخدرات لو أقلع عنها في مرحلة ما قد يمكنه الشفاء والعودة لطبيعته، لكن المستبد لو تخلى عن القمع في أي مرحلة فالنتيجة واحدة مؤكدة وهي السقوط الحتمي له ولمنظومته. شرح عبدالرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» إحدى أهم ركائزه بقوله إن الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويصبح-كذلك- النُّصْح فضولًا، والغيرة عداوة، الشهامة عتوّا، والحميّة حماقة، والرحمة مرضًا، كما يعتبر أن النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لُطْفا والنذالة دماثة، ولكي تتحقق تلك المعادلة للمستبد لا بد من قمع الكلمة وإخراس أي صوت حر ومصادرة أي رأي لمن يغرد خارج السرب ورفض النصح «الصادق والمخلص منه بصفة خاصة» لو أتى من أي طرف خارج دوائر السلطة والتابعين لها والمتمسحين بها، لتخلو الساحة ولا يخاطب جموع الشعب المستهدف وحثها على الطاعة العمياء إلا الأصوات المرضي عنها السائرة في ركب النظام المسبحة بحمد المستبد وحُكْمُه وحكمته. القاعدة السائدة المشتركة للمستبدين والطغاة هي إبعاد المغضوب عليهم من المؤثرين أصحاب الرأي والكلمة المسموعة عن دوائر الحكم ومجالس العلم ومنابر الخطابة المختلفة والاحتكاك المباشر بالشعب عبر العزل والسجن والقتل والاختطاف والنفي، خاصةً في عصرنا الحالي الذي تشعبت فيه مصادر المعلومات وتنوعت وسائل وصولها للجماهير وأصبحت الكلمة الحرة والرأي المخالف الصادق بنية الإصلاح شرًا مستطيرًا واجب شيطنته والقضاء عليه. لذلك دائمًا ما تطول حروب المستبدين والطغاة ضد الكلمة وينتهجون قمع الرأي وإسكات صاحبه لإدراكهم حتمية استمرارها لدرء خطر الحرية والديمقراطية على أنظمتهم، هي حرب مستمرة على امتداد فترة بقاء المستبد في سدة الحكم، القتل والاغتيال يشتد ويهدأ حسب الحاجة، الاقتصاد ومعدل النمو يرتفع وينخفض طبقًا لمعطيات السوق، العلاقات السياسية الخارجية تزداد أو تقل أو تقطع حسب المصلحة، الحريات الاجتماعية تتمدد وتنكمش تبعًا لمدى نفاق وانبطاح الهيئات الدينية والرقابية للسلطة الحاكمة، فتلك مجالات تقبل الشد والجذب والنقاش وتعاطي المستبد معها، لكن حرب الكلمة والرأي المخالف داخليًا ومعادلة القمع تسير لحظة بلحظة بالتوازي مع أنفاس النظام وبقائه، فلو توقفت أو هدأت حدتها فسيطبق الوعي على أنفاسه وينهي تواجده وينتزعه النظام وصاحبه من الجذور.

جمال الهواري