كتاب وأراء

أوراق من نوافذ الزمن السوداني القديم (2 - 2)


في تلك الأيام التي دخل فيها العديد من أبناء جيلي إلى فضاء عالم الصحافة (مهنة البحث عن المتاعب)، تخللت لحظات عملنا الصحفي العديد من المواقف، بعضها تسارعت فيه الأحداث لتجعلنا نتنقل لوقت طويل بين تجارب متنوعة في اختيارات الصحافة.
حين يعمد الواحد منا في لحظات صفاء نادرة للكتابة عن بعض ذكريات الزمن الصحفي القديم في الخرطوم (مدينة النيلين).. خاصة السنوات من 1986 حتى عام 1992.
من بين تجارب لها وقعها الخاص بين تفاصيل وملامح متوهجة في الذاكرة، ثلاث تجارب كلها انقضت سريعا.
الأولى تجربة جريدة الجريدة التي كان مدير تحريرها الأستاذ والصديق هاشم كرار. الثانية كانت جريدة أخبار الصباح التي انبهر بها الزملاء لكونهم يجدون فرصة للعمل مع رئيس تحرير له مكانته المتميزة في عالمي الصحافة والأدب وهو الشاعر عوض أحمد خليفة.
التجربة الصحفية الثالثة كانت تجربة العمل مجددا مع (هاشم كرار) بتلقائيته وتفرده في اختيارات الملامح الإبداعية في عالم الصحافة. وهي تجربة إصدار صحيفة الحوادث.. ولها قصة مثيرة حيث صدرت في صباح الجمعة 30 يونيو 1989.
في صحيفة الجريدة تحتفظ الذاكرة بتفاصيل نادرة منها حوار مع السياسي الراحل حسن الترابي قال قيه إن حزب الجبهة الإسلامية برئاسته يستطيع القيام بخطوة تغيير تاريخ السودان من تاريخ دائري إلى تاريخ مستقيم في إشارة إلى ما عرف بـ «الحلقة السياسية السودانية المفرغة» منذ نهاية الخمسينيات حتى نهاية الستينيات (حلقة.. ثورة شعبية ثم فترة انتقالية ثم حكومة تعددية حزبية ثم انقلاب!).
في أخبار الصباح كان الأكثر تميزا في التجربة أن عددها الأول حمل عنوانا مثيرا (مانشيت).. وهو (أكتوبر الحزين) في إشارة إلى إجهاض تجربة ثورة أكتوبر الشعبية بالسودان عام 1964.
في (الحوادث) كان أشهر ما في التجربة الحوار مع السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني الأسبق.. وحينها قال لمحاوريه الثلاثة (الدكتور خالد فرح وجمال عبدالملك الشهير بابن خلدون وهاشم كرار الذي كان مديرا لتحرير الصحيفة) إنه لن «يشيع بالعنة.. قال: إذا فشلت لن أشيع باللعنة».
كثيرا ما حكيت للأستاذ هاشم أنني في وقت ما قدمت سيرتي الذاتية لعمل صحفي في وقت لاحق، وسئلت هل الحوادث التي عملت بها هي الحوادث البيروتية، وقلت (لا).. فقيل لي هل هي «صحيفة هاشم كرار»..
قلت: نعم).. فقيل لي أنتم أتيتم بـ «الكفوة لهذا البلد» أنتم حاورتم الصادق المهدي فصرح بأنه إذا فشل فلن يشيع باللعنة!.
إنها أشتات ذكريات لا تزال حية في الخاطر ينبض بها القلب وتلهم العقل أفكارا متجددة في السياسة والثقافة والاجتماع.
بقلم : جمال عدوي

جمال عدوي